الثلاثاء ٢٠ نيسان ٢٠٢١
تجربة المنصة الإلكترونية.. ما لها وما عليها
23-03-2021 | 16:52
تجربة المنصة الإلكترونية.. ما لها وما عليها

بعد أن إتخذ الوضع في لبنان مساراً انحدارياً بالغ الخطورة على اثر انتفاضة 17 تشرين 2019 وإقفال المصارف أبوابها لمدة أسبوعين، تفاقم الطلب على الدولار الأميركي سواء للإكتناز في المنازل أو للتحويل الى الخارج، وقد تسبب ذلك في تعرض المصارف لأزمة سيولة حادة بالعملات الأجنبية لم يسبق لها مثيل، فلجأت الى مصرف لبنان لمدها بالسيولة اللازمة على أساس السعر المعتمد للدولار الأميركي أي 1515 ل.ل. مما أدى الى استنزاف جزء لا يستهان به من احتياطاته بالدولار التي كانت قد قاربت الـ 38 ملياراً عشية الإنتفاضة (باستثناء الذهب).

وقد أثبتت تجربة المنصة الإلكترونية للتدخل في سوق القطع التي اعتمدها مصرف لبنان في العام الماضي لتلبية حاجات السوق فشلها، مما اضطره الى الإحجام عن التدخل بائعاً الدولار من خلال هذه المنصة، الأمر الذي أدى الى نشوء سوق موازية سميت " بالسوق السوداء" فأفلت الدولار من عقاله وتسبب بموجة من التضخم المفرط (Hyper Inflation).

وبعد أن لامس الدولار صعوداً عتبة الـ 15000ل.ل. في الأسبوع الماضي، وعلى اثر اجتماع عقد في القصر الجمهوري مع حاكم مصرف لبنان، تم الإعلان عن عودة العمل بالمنصة الإلكترونية، بهدف تأمين بعض الاستقرار أو الهدوء في سوق القطع، والحد من التقلبات الحادة والسريعة في سعر صرف الليرة وبالتالي مكافحة المضاربة.

في هذا السياق إن أول ما يتبادر الى الذهن هو التساؤلات التالية مع الأخذ في الإعتبار الوقوف على أسباب فشل عمل المنصة السابقة:

ما هو دور هذه المنصة، وما هي الأسعار التي سوف يعتمدها مصرف لبنان للتدخل والى اية حدود ؟ وهل سيكون هناك سقف لحجم التدخل اليومي؟ وما هي الضوابط التي يجب إقرارها للتحكم في السوق في ظل غياب العرض من العملات الصعبة؟ وهل يستطيع مصرف لبنان أن يكون بائعاً فقط أم شارياً ايضاً؟

وهل سوف يعتمد الأسعار الرائجة في السوق الموازية كمؤشر للتدخل أم يضع السعر الذي يراه مناسباً؟ وما هي المصادر التي سوف يعتمد عليها لسد الفجوة بين العرض والطلب؟ هل سيلجأ الى استخدام ما تبقى لديه من الإحتياطي بالعملات الأجنبية الذي هو بالفعل جزء من ودائع الناس؟ أم ماذا؟

إن الأجوبة على هذه الأسئلة هي التي تسمح باتخاذ القرارات الصائبة أم الخاطئة، مع الأخذ بالإعتبار المصادر الرئيسية لعرض الدولار في لبنان في وقتنا الراهن والأسباب الرئيسية للطلب عليه.

ولعل نتائج الحساب الجاري وميزان المدفوعات في السنة الفائتة 2020 تعتبر خير دليل على خطورة الوضع النقدي في لبنان حيث بلغ العجز في ميزان المدفوعات 10.5 مليار دولار فمن أين يمكن تغطية هذه الفجوة في ظل هذه الأوضاع الصعبة؟! هذا فضلاً عن العجز المتمادي في الموازنة والذي تتم تغطيته بالإستدانة من مصرف لبنان، أي بالحقيقة " طبع العملة الوطنية " وما تستتبعه من آثار تضخيمة.

هنا تبرز الفجوة في التمويل التي يجب البحث عن كيفية سدها؟

في خضم هذا البحر الهائج من التساؤلات التي لا بد من الإجابة عليها قبل الشروع في عمل المنصة، واستناداً الى خبرتي الطويلة في عمليات التدخل في سوق القطع بحكم موقعي السابق كرئيس لغرفة عمليات القطع في مصرف لبنان لمدة 12 سنة (من 1979 الى 1991) وفي أحلك الظروف التي واجهتها عملتنا الوطنية، أقترح أن يصار الى إعادة العمل بآلية التدخل التي كانت معتمدة تاريخياً منذ تأسيس مصرف لبنان، وذلك من خلال اعتماد خارطة الطريق التالية:

  • أولاً: يصدر مصرف لبنان تعميماً يتم بموجبه الفصل بين السعر الرسمي للدولار في السوق المحلية أي 1515 ل.ل. الذي يحصر اعتماده بالمعاملات الرسمية مع الدولة اللبنانية فقط، وبين سعر السوق الموازية الذي يتحدد وفقاً لقواعد العرض والطلب وبالتالي توازن السوق استناداً الى المعطيات والمتغيرات اليومية السياسية والمالية والنقدية والأمنية في البلد، ويتم اعتماده لباقي العمليات التجارية والتحاويل الى الخارج ضمن الضوابط السائدة.
     
  • ثانياً: يحصر هذا التعميم التعامل بالدولار بين مصرف لبنان والمصارف العاملة في لبنان فقط على أساس السعر في السوق الموازية والذي يتحرك صعوداً أو هبوطاً وفقاً للمعطيات الآنفة الذكر.
     
  • ثالثاً: يلزم مصرف لبنان المصارف العاملة في لبنان بالتعامل مع الصيارفة المسجلين لديه فقط وحصراً، حيث تتم معهم عمليات البيع والشراء وفق الأسعار التي يحددها مصرف لبنان.
     
  • رابعاً: يلزم مصرف لبنان الصيارفة المدرجين على لائحة ببيع وشراء كميات الدولار التي يتداولون بها مع المصارف الى زبائنهم وفق آلية وشروط تحددها لجنة الرقابة على المصارف تطبيقاً للتعميم الصادر عن مصرف لبنان.
     
  • خامساً: يلزم مصرف لبنان المصارف العاملة في لبنان والتي تتعامل معه ومع الصيارفة وفق هذه الآلية، بمسك سجلات محاسبية منفردة ومستقلة بالليرة والدولار لتبيان كل العمليات التي تتم بينها وبين الصيارفة ونتائجها، وذلك وفق جداول تنظمها لجنة الرقابة على المصارف.
     
  • سادساً: يلزم مصرف لبنان الصيارفة المعتمدين لديه بتزويد لجنة الرقابة على المصارف أسبوعياً بجداول تفصيلية تنظمها اللجنة وتبين كافة العمليات التي تمت فيما بينها وما حققته من نتائج وذلك على أقراص مدمجة وممهورة بختم وتوقيع الجهات المسؤولة والمفوضة لدى الصراف وذلك على كامل مسؤولية هذه الشركات القانونية والجزائية.
     
  • سابعاً: يقوم مصرف لبنان بوضع الإطار القانوني لعمل المنصة والقواعد والأسس التي تبنى عليها عمليات التداول في سوق القطع.
     
  • ثامناً: في موازاة كل ما سبق يضع مصرف لبنان السياسات التي تهدف الى امتصاص السيولة بالعملة المحلية من الأسواق لتخفيض الطلب على الدولار ما أمكن.

    أن ذلك يشكِّل الإطار العملي والقانوني والمحاسبي للمنصّة الالكترونية.

الخلاصة:

في تقديرنا ان حجم العمليات اليومية في السوق اللبنانية حالياً يتراوح ما بين 4 – 6 ملايين دولار يومياً إستناداً الى العديد من المصادر، أي ما يقارب 1.5 – 2 مليار دولار في السنة، وإذا ما اعتمدت سياسة التدخل المرن في سوق القطع وفقاً لقاعدة الهرم المعكوس في عمليات البيع والهرم الطبيعي في عمليات الشراء- وهذا من أهم واجبات البنك المركزي للحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية إستناداً الى قانون النقد والتسليف -  فإنه قد لا يخسر هذا المبلغ من احتياطاته. لا بل يمكنه أن يعوض جزءاً منه إذا توقف عن بيع الدولة ثمن السلع المدعومة، تلك البدعة الفاشلة. والإستعاضة عنها ببطاقات مالية للأسر المحتاجة فعلاً. وهذه مسؤولية الدولة وليس مصرف لبنان. كما وأن تغير الظروف السياسية في البلد يتيح له إعادة تكوين احتياطاته بسهولة كما حدث سابقاً (تجربة استلام الرئيس الشهيد رفيق الحريري لرئاسة الحكومة في العام 1992).

أنني اعتقد أن هذه الآلية يمكن أن تحقق الأهداف المرجوة وفي مقدمها الحد من التقلبات المؤذية للأسعار والتي تتسبب بالتضخم المفرط، وتهدئة النفوس بانتظار الاتفاق على حل سياسي يؤدي الى تشكيل حكومة توحي بالثقة، ووضع برنامج إنقاذ إقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي لكي يشكل بارقة الأمل في عودة الحياة الى بلدنا المعذب، والقاطرة التي تجر وراءها التدفقات النقدية من مختلف المصادر. عندئذ تعود الحياة الى شرايين القطاع المصرفي وتعود العافية الى الليرة اللبنانية.

أخيراً لا بد من تأمين أسباب نجاح عمل هذه المنصة وتثبيت مرجعيتها كصانع وموجه للسوق Market Maker في غياب عرض الدولار، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال السعي الى تحقيق التوازن بين العرض والطلب على مستويات تترجم واقع البلد السياسي والاقتصادي والنقدي والمصرفي في أي لحظة...
وعليه، فإن جل ما يتوقع أن تحققه هذه المنصة هو تهدئة السوق، وليس تغيير اتجاهه إلا بعد توافر المعطيات الإيجابية السياسية. ولذلك لا نأمل بأي استقرار في سعر صرف الليرة في ظروفنا الحالية وحتى على المدى المنظور إلا بسحر ساحر.

                                                                                             بهيج الخطيب
                                                                                           مستشار مصرفي

نذكركم انه بات بإمكانكم متابعة صفحة موقع Business Echoes على إنستغرام من خلال الضغط هنا والتي سيكون محتواها مختلفاً عن المحتوى الذي ننشره على صفحة فايسبوك.



RSS Facebook Twitter YouTube LinkedIn
© 2021 Business Echoes | تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة