رعى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ممثلا بمستشاره للشؤون الدستورية والقانون الدولي والمنسق الوطني لمئوية الدستور الدكتور أنطوان صفير، المؤتمر الذي دعت إليه رئيسة جامعة العائلة المقدسة الأخت الدكتورة هيلدا شلالا بعنوان "البطريرك الحويّك بين التّاريخ والقداسة: من صياغة الدّستور اللبناني 1926 إلى درب القداسة 2026"، وذلك في إطارٍ تطويب البطريرك الياس الحويّك ومواكبةِ المئويّةِ الأولى للدّستور اللَّبناني.
عقد المؤتمر في قاعة مؤتمرات الجامعة، في حضور النائب غياث يزبك، إيلي سلوم ممثلا النائب جبران باسيل، الوزير السابق عباس الحلبي، راعي أبرشية البترون المارونية المطران منير خيرالله، قائمقام البترون روجيه طوبيا، رئيس اتحاد بلديات منطقة البترون روجيه يزبك، رئيس بلدية البترون مرسيلينو الحرك ورؤساء بلديات بترونية، رئيس رابطة مخاتير منطقة البترون جاك يعقوب وعدد من المخاتير، مأمورة نفوس البترون مارلو كفوري، الرئيسة العامة لجمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات الام ماري انطوانيت سعاده ومجلسها، وفد من بلدة حلتا وعائلة البطريرك الحويك، كهنة ورهبان وراهبات، شخصيات قضائية واجتماعية وثقافية وتربوية ونقابية وصحية، بالاضافة الى أعضاء مجلس الأمناء ومجلس الجامعة وأعضاءِ الهيئتين التّعليميّة والإداريّة في الجامعة.
بعد النشيد الوطني، القت عميدة كلية ادارة الاعمال الدكتورة جوزيان ابي خطار كلمة الافتتاح وقالت: "إِنَّ اجْتِمَاعَنَا اليَوْمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ اسْتِذْكَارٍ لِشَخْصِيَّةٍ تَارِيخِيَّةٍ كُبْرَى، بَلْ هُوَ وَقْفَةُ تَأَمُّلٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ أَمَامَ إِرْثٍ وَطَنِيٍّ وَرُوحِيٍّ عَمِيقٍ" .
وأوضحت أنّ المؤتمر، المنظَّم تحت عنوان «البطريرك الياس الحويّك بين التاريخ والقداسة: من صياغة خطوطه الدستورية اللبنانية سنة 1926 إلى إعلان قداسته سنة 2026»، يجمع بين بُعدين متكاملين: بُعد وطني دستوري يتعلّق بدوره في تكوين الكيان اللبناني وترسيخ أسس العيش المشترك، وبُعد روحي وإنساني يتجلّى في مسيرة قداسة قائمة على الإيمان والخدمة والتواضع والعناية الإلهية.
شلالا
ثم القت الاخت شلالا كلمة رحبت فيها بالحاضرين وقالت:
"كانَ البطريركُ الحويّك صوتًا للحرّيّةِ والسيادةِ، ومَرجِعًا للضميرِ الوطنيِّ، ورمزًا للتضحيةِ والعطاءِ، إذ جَمَعَ بين الحِكمةِ السياسيّةِ والرسالةِ الإنجيليّةِ، فبَقِيَ إرْثُهُ منارةً تَهتدي بها الأجيالُ المُتعاقِبة".
وشكرت لرئيس الجمهورية رعايته كما شكرت كل من ساهم وشارك في تنظيم وإنجاح المؤتمر.
ودعت إلى المشاركةِ في الاحتفالِ بتَطويبِهِ في المقرّ البطريركي في الديمان في 25 تموّز 2026، "لتكونَ فرحةً جامعةً نَعيشُها معًا في أجواءٍ من الإيمانِ والرجاءِ والاعتزازِ بهذا الحَدَثِ التاريخيّ" .
وأعلنت عن إطلاق «جائزةَ البطريركِ الحويّك السنويّة» المخصَّصَةَ لخرّيجي الجامعةِ الّذينَ تَميَّزوا بعطائِهم وإنجازاتِهم، وساهَموا في رفعِ اسمِ لبنانَ في المحافلِ الوطنيَّةِ والدَّو۟ليَّةِ. فكانوا، على مثالِ البطريركِ الياس الحويّك، سفراءَ للتميّزِ والخدمةِ والالتزامِ برسالةِ الإنسانِ وكرامتِهِ".
سعاده
وألقت الأم سعاده كلمة قالت فيها:
"عند الله، ما من شيءٍ مستحيل! وعند الله، ما من شيءٍ صُدفة، بل كلُّه تدبيرٌ من تدابيرِ عنايتِهِ الأبويّة!
هذه العناية تجلّت في حياةِ وإنجازات البطريرك الياس بطرس الحويّك، "رجل العناية الإلهيّة"، كما تجلّت أيضًا في مسيرةِ إعلانه مكرّمًا ومن ثمّ طوباويًّا".
واردفت: "هي العنايةُ الإلهيّة، تقولُ لنا أنّها ما زالت تُرافقُ شعبَنا، وبأنّ رضى الله الّذي كان رغبة البطريرك الحويّك الوحيدة ما زال يرافق هذا الوطن الحبيب، في أحلكِ الظروف.
وما سلامةُ جثمانِ الحويّك من الفساد إلّا علامة لنا نحن اللبنانيين المؤمنين بالله وبلبنان، بأنّ لبنانَ أزليٌّ أبديٌّ، عاصٍ على كلِّ تقلّبات الدّهر وأطماع الطامعين وفسادِ الفاسدين، وبأنّ رجل الله البطريرك الحويّك ما زال يسهر على وعده من سمائِهِ، وهو الّذي وعدنا بأنّه سيبقى يشفع لهذا الوطن ويستمطر عليه بركات الله، إلى أبد الآبدين" .
وختمت: "هذا فعلُ إيماننا، ونحن على يقين بأنّ إيماننا لن يخيب" .
صفير
والقى الدكتور صفير كلمة راعي المؤتمر الرئيس عون وقال:
"إنَّهُ لَشَرَفٌ أَثِيلٌ أَنْ أُمَثِّلَ بَيْنَكُمْ صَاحِبَ الفَخَامَةِ العِمَادِ جُوزَافْ عَوْنْ رَئِيسَ الجُمْهُورِيَّةِ اللُّبْنَانِيَّةِ الجَزِيلَ الاِحْتِرَامِ، الَّذِي تَلَقَّى دَعْوَتَكُمْ الكَرِيمَةَ لِرِعَايَةِ هَذَا المُؤْتَمَرِ الوَطَنِيِّ وَالعِلْمِيِّ وَالرُّوحِيِّ، بِكُلِّ تَرْحِيبٍ وَتَقْدِيرٍ، وَقَدْ كَلَّفَنِي فَشَرَّفَنِي أَنْ أَنْقُلَ إِلَيْكُمْ تَحِيَّاتِهِ، وَأَنْ أُلْقِيَ كَلِمَتَهُ هَذِهِ فِي اِفْتِتَاحِ مُؤْتَمَرٍ لَافِتٍ بِعُنْوَانِهِ، الَّذِي يَخْتَصِرُ كُلَّ المَعَانِي وَالمَرَامِي فِي العَلَاقَةِ بَيْنَ الحُوَيْكْ وَالتَّارِيخِ وَالقَدَاسَةِ وَمِئَوِيَّةِ الدُّسْتُورِ، وَكَأَنَّهَا بِالفِعْلِ سِلْسِلَةٌ مُتَرَابِطَةٌ.
فكلّ الشّكر والتشجيع لجامعة العائلة المقدّسة في البترون، ولحضرة رئيسة الجامعة الام هيلدا شلالا المحترمة ولكل الأخوات الفاضلات وَكُلِّ مَنْ عَمِلَ بِجُهْدٍ لِتَنْظِيمِ هَذَا المُؤْتَمَرِ وَإِنْجَاحِهِ" .
واضاف: "اما الحَدِيثُ عن البطريرك الحويّك أبي لبنان الكبير فيطول، هو الذي فَرِحْنَا بإعلانه طوباوياً من قبل قداسة البابا لاوون الرابع عشر، الذي له فِي قُلُوبِنَا كُلُّ المَحَبَّةِ، وقد بارك أرض لبنان في زيارته منذ أشهر. وبين الحويك والقداسة عَلاقَةُ وجود، وبينه وبين التاريخ اِرْتِبَاطُ مصير، وله مع صياغة الدستور مَسَارُ التعلق بالحريّة والديمقراطيّة والتعدديّة بكل معانيها.
وليس من المُصادفة أن تعلن طوباويّة البطريرك الحويّك في ذكرى مئويّة لبنان الكبير، وهو من صُنَّاعِهِ، .... هو الذي رأى دولة لبنان، حِصْنًا لِلْحُرِّيَّةِ، والحريّات وملاذاً للمضطهدين، وموئلاُ للأحرار الميامين.
ومن هنا أقول من سدة الرئاسة والمسؤولية، أننا سنعمل بجهد وثقة لكي يبقى لبنان وَيَعُودَ كَمَا عَمِلَ لَهُ الحويّك والكبار، حِصْنًا لِلْحُرِّيَّةِ بِلَا اِنْتِقَاصٍ وملاذاً للمفكرين بلا مواربة، وموئلاً للأحرار في دولة تحميها القوانين بلا نقاش".
وتساءل صفير: "كيف نناقش خِيَارَاتٍ طبعت تاريخ لبنان، وقضّت مَضَاجِعَ من أراد به سوءاً، ومن خطط لإبقائه جُزْءًا مِنْ كِيَانَاتٍ أكبر! وهل أَعْظَمُ من جهاد الحويّك في سبيل حريّة لبنان وتحرير الإنسان.
وهل أَجْرَأُ من العين التي تقاوم المخرز في عزّ أَيَّامِهِ، وَالمَثَلُ السَّاطِعُ يَكْمُنُ فِي الخِلَافِ الشّديد بين المتصرّف واصا باشا والبطريرك الحويّك المعارض الشّرس للسياسة الظالُمة في جمع الضرائب.
وهل أَعْظَمُ من أعمال الحويّك في كل مجال!
ومنها بل أَبْرَزُهَا، تأسيس جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات، التي تكاثرت بِنِعْمَةِ الله وصلاة المؤسس، وتكرست للصلاة والتربية والصحّة والاستشفاء والرسالة، وهي على مثال لبنان الكبير مُنْتَشِرَةُ الأطياف في أصقاع لبنان والعالم. فكلّ التحيّة لحضرة الرئيسة العامّة الأم ماري أنطوانيت سعادة ومجلس المُشيرات على كلّ الجُهود المبذولة إِعْلَاءً لذكرى البطريرك قبل اعلانه مكرما وبعده وحتى إعلانه طوباويا .... على طريق القداسة التي لا بدّ آتية.
وهل أَعْظَمُ من تشييد معبد سيدة لبنان مزاراَ دولياً يُؤُمُّهُ المسلمون كما المسيحيون طلباً لِشَفَاعَةٍ نحتاجها من أم حنون في أزمنة رديئة! "
وتابع: "اليوم، نسترجع ذلك الحُلْمَ الذي من أجله، ناضل البطريرك الحويك مع من ناضل من الأَوَّلِينَ، أجداداً أَنْقِيَاءَ أَشِدَّاءَ، وكانوا أحراراً غير خَانِعِينَ رَغْمَ الظُّرُوفِ وَالأَحْكَامِ، بأرضهم ملتصقين. وهي أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ بتاريخها ومن راودها من صِدِّيقِينَ وَعُلَمَاءَ وقدّيسين.
ومن موقعنا صَلَاحِيَّاتِنَا الدُّسْتُورِيَّةِ وَمَسْؤُولِيَّاتِنَا الوَطَنِيَّةِ أمام التاريخ والاجيال، نعاهد ألا نفرّط بشبر من أرض لبنان من الجَنُوبِ الى كلّ لبنان، ولن نُفَرِّطَ بِخَطٍّ فِي حُدُودٍ، أَوْ بِحَقٍّ في مياه. لن نَتَهَاوَنَ بأي مَسَاسٍ بِسِيَادَةِ لبنان على أرض لبنان وبحر لبنان. نُفاوض من أجل تحرير الأرض وكرامة أبناء الأرض. نُفاوض من أجل إِنْهَاءِ الحُروب مَرَّةً أَخِيرَةً غير كلّ المرّات.
نُفاوض في سبيل استعادة الحُقوق السلبيّة والسيّادة المُستباحة، والكرامات المهدورة. ولا نُريد سِيَاسَةً أو فئويات، نريد ما أراده البطريرك الحويّك: أن يبقى لُبنان الكبير كبيراً بأرضه وكرامة أبنائه.
ولُبْنَانُ الكَبِيرُ في فَلْسَفَتِنَا وَفَلْسَفَةِ الحويّك ليس مِسَاحَةً في الجغرافيا السياسيّة، ولا نِظَامَ حُكْمٍ بَرْلَمَانِيٍّ دِيمُقْرَاطِيٍّ تَعَدُّدِيٍّ مِنَ الأَنْظِمَةِ الدُّسْتُورِيَّةِ فحسب. بل هو بِحَقٍّ مِسَاحَةٌ رِسَالِيَّةٌ – رَسُولِيَّةٌ فِي المَشْرِقِ بمعناها الصّحيح، وَجِسْرُ حِوَارٍ وَتَوَاصُلٍ بَيْنَ ثَقَافَاتٍ وَمُجْتَمَعَاتٍ... من هنا يأتي العمل لاعتماد لبنان مركزاً لحوار الأديان والثقافات والأعراق.
وبعد وِلَادَةِ لُبْنَانَ الكبير، كان مَخَاضُ الاستقلال محققاً مع ميثاق وطني – منطلق لم نعرف كيف نُطَوِّرُهُ وَنُحَوِّلُهُ الى ميثاق وطني – هدف فأضحى غَيْرَ مُرْتَكِزٍ عَلَى قَاعِدَةٍ صُلْبَةٍ. هَزَّتْهُ نَكْبَةُ 1948، وتحمّل أَوْزَارَ نَكْسَةِ1967، وَكَبَّلَتْهُ اِتِّفَاقِيَّةُ القاهرة، وَأَثْقَلَتْهُ تَدَخُّلَاتُ الأقربين والأبعدين فَحَوَّلُوهُ الى سَاحَةٍ لِحُرُوبٍ وَبَرِيدٍ عُنْفِيٍّ مَفْتُوحٍ كُنَّا أَدَوَاتِهِ وَتَحَمَّلْنَا أَوْزَارَهُ عَلَى أَرْضِنَا وَأَجْسَادِنَا وَأَحْلَامِنَا .
وَأَدْمَتْ قَلْبَ الحويك من عليائه كما أدمت من سَبَقَهُ وَخَلَفَهُ من البطاركة العظام ...وكما أدمت قُلُوبَنَا حُرُوبُ الأخوة، وَهِجْرَةُ الشَّبَابِ والادمغة، وحلّت عليه ثَقِيلَةً وِصَايَاتٌ وَاحْتِلَالَاتٌ من كلّ صوب. وقد آن الأَوَانُ لكل ذلك أن ينتهي...........فلا عَوْدَةَ الى الوراء.... "
وقال صفير: "لقد قرّرنا أن نعِيدَ القَرَارَ إِلَى أَصْحَابِهِ، الى الدولة اللبنانية الرَّاعِيَةِ وَالمَسْؤُولَةِ، الى رِئَاسَةِ الدَّوْلَةِ صَاحِبَةِ الصَّلَاحِيَّةِ وفق الدّستور.
كُلُّ شَيْءٍ قَابِلٌ لِلنِّقَاشِ إِلَّا الحُقُوقَ المُقَدَّسَةَ في السّيادة والكرامة والاستقلال الناجز.
كُلُّ قَضِيَّةٍ قَابِلَةٌ لِلْمُفَاوَضَةِ إِلَّا أَنْ تُصَادِرَ قُوَّةٌ خَارِجَةٌ عَنِ المَنْطِقِ قَرَارَ الدَّوْلَةِ وَمُؤَسَّسَاتِهَا.
اما مِئَوِيَّةُ الدّستور، فهي المُنَاسَبَةُ التي أردناها مَحَطَّةً بَارِزَةً نَسْتَذْكِرُهَا وَنَحْتَفِلُ بها، ونُغني النِّقَاشَ الوطني من خلالها، لِنُؤَكِّدَ أَنَّ الدُّسْتُورَ هو الراعي لعمل المُؤَسَّسَاتِ وَلِلْمَسْؤُولِينَ، بعدما عانينا ما عَانَيْنَاهُ مِنْ أَزْمَاتِ حُكْمٍ وَحُكَّامٍ."
وتابع:"إذا أردنا اِخْتِصَارَ البطريرك الحويك في السياسة الوطنية، فان أهم فِكْرَةٍ تُطَالِعُنَا هِيَ أَنَّ "طَائِفَتَهُ لبنان" بكل ما تعني.
اما في النتاج الدستوري والقانوني، فقد استحصل في 10/11/1919، على تعهُّدٍ خَطِّيٍّ من رئيس مجلس الوزراء الفرنسي ورئيس مؤتمر الصلح كليمنصو، وَرَئِيسِ فيه اللُّبْنَانِيِّينَ بالاستقلال، وَالجَبَلِ اللُّبْنَانِيِّ بِالسُّهُولِ وَالمَرَافِئِ البَحْرِيَّةِ الضَّرُورِيَّةِ لازْدِهَارِهِ..
واعتُبِر هذا التَّعَهُّدُ بمثابة وَثِيقَةِ الاستقلال وسعى إلى حُسْنِ تطبيق الانتداب وعدم تحويله شكلاً من أشكال الاستعمار، وَاحْتِرَامِ الخُصُوصِيَّةِ اللبنانية وإلى وَضْعِ دُسْتُورٍ حديث يواكب مُقْتَضَيَاتِ لبنان وهو الدُّسْتُورُ المدني الوحيد في المنطقة كُلِّهَا، وهو حتى اليوم من أكثر النصوص اِنْفِتَاحًا وَنَوْعِيَّةً وَفْقَ المعايير الدولية.
ومع لُبْنَانَ الكبير، أراد الحويّك تَثْبِيتَ هُوِيَّةِ لبنان عبر تَأْكِيدِ الشَّرْعِيَّةِ الوطنية، والتعلق بِضَمَانَةِ الشرعية الدولية، وَتَرْسِيمِ الحدود الجغرافية. وهذا ما ننادي به اليَوْمَ، تَحْرِيرُ القرار الوطني، عَوْدَةٌ الى مَظَلَّةِ الدولة وروحية الميثاق الوطني، وَتَنْفِيذُ القَرَارَاتِ الدولية وَتَحْيِيدُ لُبْنَانَ عن الصراعات".
وختم صفير: "أخِيرًا، لَيْسَ أَكْثَرَ بَلَاغَةً مِمَّا وَرَدَ فِي تَأْبِينِ المَطْرَانِ الفَغَالِي لَهُ فِي يَوْمِ وَدَاعِهِ: "أَمْعَنَ الفِكْرَةَ فِي مَاضِي لُبْنَانَ، فَإِذَا هُوَ فِي عِرَاكٍ مُتَوَاصِلٍ، مَا طَأْطَأَ قَطُّ لِلْغُزَاةِ رَأْسًا، وَلَا أَحْنَى لَهُمْ ظَهْرًا، يُغْلَبُ وَلَا يُقْهَرُ، يَفُوزُ وَلَا يَتَجَبَّرُ، وَلَمْ يَرْضَ دُونَ الاِسْتِقْلَالِ مَنَالًا".
وَلَنْ نَرْضَى دُونَ اِسْتِقْلَالِ لُبْنَانَ مَنَالًا…"
المحور الأوّل
ثم تناول المحور الأول من المؤتمر "البطريرك الياس الحويّك ودستور 1926 … من تأسيس الكيان اللّبناني إلى راهنيّة العيش المشترك
وأداره الدّكتور ساسين عساف، الذي تحدث عن البطريرك الياس مؤسس فكرة لبنان الكيان والدولة ومؤسس شرعية لبنان، وهو الذي كان صاحب رؤيا جيوسياسية تجاوزت دوره الكنسي إلى دور وطني تأسيسي.
خليل
وتحدث الدكتور روني خليل عن الدور المحوري الذي أدّاه البطريرك الحويّك بعد الحرب العالمية الأولى، حين ترأّس الوفد اللبناني إلى مؤتمر الصلح في باريس، مطالبًا بتوسيع حدود لبنان وباستقلاله، مستندًا إلى عرائض ومطالب شعبية صادرة عن مناطق وطوائف لبنانية متعدّدة. كما أُبرزت حججه التاريخية والجغرافية والقانونية والسياسية في الدفاع عن الكيان اللبناني وحدوده الطبيعية.
كما تناول مرحلة ما بعد إعلان لبنان الكبير سنة 1920، حيث تابع البطريرك الحويّك جهوده للمطالبة بوضع نظام قانوني ودستوري مستقر للبلاد، فدعا إلى صياغة قانون أساسي، وطرح مع مجلس الأساقفة مجموعة من الأسئلة المرتبطة بشكل الدولة والنظام البرلماني، وصلاحيات رئيس الدولة، والتمثيل النيابي، وتنظيم السلطات والانتخابات.
وختم خليل مؤكدا أنّ البطريرك الحويّك لم يكن فقط رجل دستور وسياسة وطنية، بل كان أيضًا رجل رسالة روحية وأخلاقية، بقي على تواصل مع السلطة والشعب، داعيًا إلى محبة الوطن وترسيخ القيم الوطنية. وقد استمرّت مسيرته الوطنية والروحية الحافلة حتى وفاته في أواخر كانون الأول سنة 1931.
سليمان
وتكلم الرئيس السابق للمجلس الدستوري البروفسور عصام سليمان عن "البطريرك الحويّك ودستور 1926: من فكرة لبنان التعددي إلى صياغة العيش المشترك".
وأضاء على العلاقة بين دور البطريرك الياس الحويّك وبناء النظام الدستوري اللبناني الحديث، مبيّنًا أنّ لبنان قام على مجتمع تعدّدي يجمع بين طوائف ومكوّنات مختلفة، لكنّها مدعوّة إلى العيش ضمن إطار وطني واحد. وقد جاء دستور 1926 ليُنظّم هذه التعدّدية من خلال نظام جمهوري ديمقراطي برلماني يضمن الحقوق والحريات والمساواة بين المواطنين، ويحترم خصوصيات الطوائف من دون أن يسمح لها بأن تحلّ محلّ الدولة أو تعلو على سلطتها.
وأكّد سليمان أنّ الأزمة اللبنانية الراهنة ليست في جوهر النظام الدستوري، بل في سوء الممارسة السياسية التي حوّلت المشاركة الوطنية إلى تقاسم حصص طائفية، وأضعفت المؤسسات وشوّهت مفهوم العيش المشترك. ومن هنا، دعا إلى العودة إلى روح الدستور، وإلى إصلاح الأداء السياسي والانتخابي، وبناء دولة قانون ومؤسسات وعدالة، قادرة على تجاوز الانتماءات الضيقة وتحويل التعددية اللبنانية إلى مصدر غنى ووحدة وطنية.
الحلبي
وأعرب الوزير السابق الحلبي عن سروره بالمشاركة في "المؤتمر الذي يجتمعُ عندَ تقاطعِ رمزَيْنِ كبيرَيْن: مِئويّةِ الدستور اللبناني سنة 1926، والمسيرةِ الكنسيّةِ التي تقودُ البطريرك الياس الحويك نحو أعلى مراتب التقوى والدّين؛ كما نُعَبِّرُ عندَنا في مسلِكِ التوحيد وفي تراثِ بَني معروف.
وقد يبدو للوهلةِ الأولى أنّ ثمةَ مسافةً بين الدستورِ والقداسة، بين القانونِ والروحانيّة، بين بناءِ الدولة وبناء الزهّادِ والأولياء. غيرَ أنَّ التأمّلَ في شخصيّةِ البطريرك الحويّك يكشفُ أنَّ هذَين البُعدَيْن يلتقيانِ في نقطةٍ واحدة هي خدمةُ الإنسانِ والجماعةِ الوطنيّة وهوَ المُوُصِي يومًا قائلًا: "أحِبّوا الوطنَ بعدَ الله".
وقال: "في تاريخِ الأُمَمِ شخصيّاتٌ تصنَعُ الأحداث، وشخصيّاتٌ تَصنَعُ الأفكارَ التي تُنتِجُ الأحداث. وإذا كانَ إعلانُ دولةِ لبنانَ الكبير في الأوّلِ من أيلولَ سنة 1920، يُمَثِّلُ حَدَثًا مفصليًّا في تاريخِ لبنانَ المعاصر، فإنَّ البطريرك الياس الحويّك كانَ من أولئكَ الذينَ أسهموا في صياغةِ الفكرةِ التي أفضَت إلى ذلكَ الحَدَث، ثُمَّ استمرَّت آثارُها في تكوينِ الدولةِ ومؤسّساتِها وفي ثقافَتِها السياسيّة.
ولعلَّ أهمَّ ما يُميِّزُ تجربةَ البطريركِ الحويّك أنَّها لم تقتصرْ على المطالبةِ بقيامِ كيانٍ سياسيٍّ مستقلّ، بل اقترنت برؤيةٍ متكاملةٍ لمفهومِ الدولةِ ووظيفتِها ورسالتِها. فقد أدركَ الرجلُ، في مرحلةٍ كانتِ المنطقةُ تعيدُ فيها تشكيلَ خرائطِها السياسيّةِ بعدَ الحربِ العالميّةِ الأولى وانهيارِ السلطنةِ العثمانيّة، أنّ نجاحَ أيِّ مشروعٍ سياسيٍّ لا يتوقّفُ عند حدودِ الاعترافِ الدوليِّ به، بل يرتبطُ بقدرتِه على بناءِ شرعيّةٍ داخليّةٍ قائمةٍ على قبولِ الجماعاتِ المكوِّنةِ له، وعلى شعورِها بأنّها شريكةٌ في الوطنِ والدولةِ والمستقبل".
واعتبر أن "إرثِ الحويّك هو أحدَ المرتكزاتِ الفكريّةِ المبكّرةِ لِمَا سيُعرَفُ لاحقًا في التجربةِ اللبنانيّةِ بالصيغةِ الميثاقيّة. فالميثاقيّةُ، قبل أن تكونَ قاعدةً لتوزيعِ السلطةِ أو لتنظيمِ المشاركةِ السياسيّة، هي فلسفةٌ في الاجتماعِ الوطنيّ تقومُ على الاعترافِ المتبادلِ، ورفضِ الإلغاءِ، واعتبارِ التنوّعِ عنصرًا تأسيسيًّا في الكيانِ اللبنانيّ، لا مجرّدَ واقعٍ عابرٍ يمكنُ تجاوُزُہ أو تهميشُه.
ولَئِنْ كانَ الميثاقُ الوطنيُّ سنةَ 1943 قد شكَّل التعبيرَ السياسيَّ الأبرزَ عن هذه الفلسفة، فإنّ جذورَها تعودُ إلى مسارٍ تاريخيٍّ طويلٍ أسهمَ الحويّك في ترسيخِ بعضِ أهمِّ معالمِه. ففكرةُ لبنانَ التي دافعَ عنها لم تُبنَ على مفهومِ الانعزالِ أو الانكفاءِ، وإنّما على إقامةِ فضاءٍ وطنيٍّ جامعٍ يستطيعُ أن يستوعبَ تعدّدَ الانتماءاتِ الثقافيّةِ والدينيّةِ ضمن إطارِ وحدةٍ سياسيّةٍ وسياديّةٍ واحدة.
وإذا كانتِ الميثاقيّةُ قد شكّلت أحدَ أبرزِ المرتكزاتِ التي قامت عليها التجربةُ اللبنانيّة، فإنّ أهمّيّتَها لا تنبعُ فقط من دورِها في إدارةِ التنوّع، بل أيضًا من قدرتِها على إنتاجِ شعورٍ جماعيٍّ بالانتماءِ إلى الدولة. فالدولةُ الحديثةُ لا تقومُ على الإكراہِ أو على مجرّدِ انتظامِ السلطة، بل على اقتناعِ المواطنينَ بأنّ المؤسّساتِ تعبّرُ عنهم وتحفظُ مصالحَهم وتصونُ حقوقَهم. وعندما يضعفُ هذا الشعورُ، تتراجعُ الثقةُ العامّةُ وتبرزُ الولاءاتُ الجزئيّةُ على حسابِ الولاءِ الوطنيِّ الجامع.
ولذلك، فإنَّ التجربةَ اللبنانيّةَ، بما تختزنُه من عناصرِ تنوّعٍ وتَعدُّد، تُقَدِّمُ نموذجًا خاصًّا في الفكرِ الدستوريّ المقارَن. فهي تُظهرُ أنَّ الوحدةَ الوطنيّةَ لا تُبنى بالتماثلِ الكاملِ بينَ الجماعات، بل بالاتّفاقِ على قواعدِ العيشِ المشتركِ وعلى مرجعيّةِ الدولةِ ومؤسّساتِها. ومن هذا المنطلق، تبدو الميثاقيّةُ اللبنانيّةُ محاولةً دائمةً للتوفيقِ بينَ الخصوصيّاتِ المختلفةِ وبينَ مقتضياتِ الانتماءِ إلى وطنٍ واحدٍ ومصيرٍ مشترك.
ولعلَّ هذا ما يفسّرُ استمرارَ حضورِ الفكرِ التأسيسيِّ للحويّك في النقاشِ الوطنيِّ حتّى يومِنا هذا. فالرجلُ لم يكنْ مَعْنِيًّا بإقامةِ كيانٍ سياسيٍّ فحسب، بل كانَ معنيًّا بتأمينِ شروطِ استمراريّتِه وتماسكِه. وقد أدركَ باكرًا أنّ الجغرافيا وحدَها لا تصنعُ وطنًا، وأنّ الحدودَ مهما بلغت أهمّيّتُها تبقى بحاجةٍ إلى عقدٍ اجتماعيٍّ يربطُ بينَ المواطنينَ ويجعلُهم شركاءَ في المسؤوليّةِ وفي المستقبل".
وقال الحلبي: "إنّ قراءةَ دورِ البطريركِ الحويّك في ضوءِ تطوّرِ النظامِ الدستوريِّ اللبنانيّ تفرضُ التوقّفَ عند العلاقةِ بينَ فكرةِ الكيانِ وفكرةِ الدستور. فالدستورُ ليس مجرّدَ نصٍّ قانونيٍّ، بل هو التعبيرُ عن التوافقِ الوطنيِّ حول طبيعةِ الدولةِ وقيمِها، وترجمةُ هذه الإرادةِ إلى مؤسّساتٍ تضمنُ الاستقرارَ والعدالةَ والمشاركة.
لقد عرفَ لبنانُ منذُ دستورِ سنةِ 1926 مراحلَ من التطوّرِ والتعديل، غيرَ أنّ الثابتَ كانَ السعيُ إلى التوازنِ بينَ وحدةِ الدولةِ وتعدّديّةِ المجتمع، وهي معادلةٌ لا تزالُ في صلبِ النقاشِ الدستوريِّ اللبنانيّ.
وإذا كانتِ التجربةُ اللبنانيّةُ قد أثبتت أنّ الديمقراطيّةَ التوافقيّةَ هي الصيغةُ الأنسبُ لإدارةِ التنوّع وصونِ الشراكةِ الوطنيّة، فإنّ أيَّ إصلاحٍ جدّيٍّ ينبغي أنْ ينطلقَ من احترامِ هذہ الخصوصيّةِ وتعزيزِ آليّاتِ التوافقِ داخلَ مؤسّساتِ الدولة.
ومن هنا، فإنّ إرثَ البطريرك الحويّك لا يقتصِرُ على دورہ التاريخيِّ في الدفاعِ عن لبنانَ الكبير فحسب، بل يمتدُّ إلى رؤيتِه للشرعيّةِ الوطنيّةِ وأهمّيّةِ التوافقِ في بناءِ الدولة، إذ إنّ الدولَ التعدّديّةَ لا تُدارُ بمنطقِ الغلبة أو استقواءِ طائفةٍ على أُخرى، بل بمنطقِ الشراكةِ ضمنَ إطارِ الدستورِ وسيادةِ القانون.
ومن هذا المنطلق، يبقى تعزيزُ دولةِ القانونِ شرطًا أساسيًّا لاستكمالِ المشروعِ الوطنيِّ اللبنانيّ، عبرَ احترامِ المؤسّسات والشرعيّة واستقلاليّةِ القضاء، وضمانِ المساواةِ أمامَ القانون، وتفعيلِ الرقابةِ والمحاسبة، بما يعزّزُ الثقةَ بالدولةِ ويصونُ حقوقَ المواطنين.
وانطلاقًا من هذا التأسيس، تبرزُ أهمّيّةُ الربطِ بينَ البصمةِ الميثاقيّةِ للحويّك وبينَ مسألةِ السيادةِ التي تشكّلُ إحدى أكثرِ القضايا إلحاحًا في لبنانَ المعاصر. فالسيادةُ ليست مفهومًا تجريديًّا أو شعارًا سياسيًّا يُرفَعُ عندَ الحاجة، بل هي شرطُ وجودِ الدولةِ نفسها. ولا يمكنُ لأيِّ نظامٍ دستوريٍّ أن يؤدّي وظائفَه الطبيعيّةَ إذا لم تكنِ الدولةُ صاحبةَ القرارِ النهائيِّ على كاملِ أراضيها، والقادرةَ على احتكارِ ممارسةِ السلطةِ الشرعيّةِ وفقًا لأحكامِ الدستورِ والقوانين.
وقد كانَ الحويّك من أوائلِ الذينَ أدرَكوا العلاقةَ العضويّةَ بينَ استقلالِ القرارِ الوطنيِّ وبينَ إمكانِ بناءِ مؤسّساتٍ مستقرّةٍ وقابلةٍ للحياة. فالكيانُ الذي لا يملكُ سيادتَه الكاملةَ يبقى عرضةً للتجاذباتِ الخارجيّة، فيما تتراجعُ قدرةُ مؤسّساتِه على أداءِ وظائفِها، وتتآكلُ الثقةُ بينَ المواطنِ والدّولة.
غيرَ أنّ السيادةَ في التجربةِ اللبنانيّةِ لا تنفصلُ عن العيشِ المشترك. فلبنانُ لم يقمْ على وحدةٍ قوميّةٍ أو دينيّةٍ مُغلقة، وإنّما على إرادةِ جماعاتٍ متنوّعةٍ اختارتِ العيشَ معًا ضمن دولةٍ واحدة. ولذلك، فإنّ حمايةَ السيادةِ تستلزمُ في الوقتِ نفسِه حمايةَ الشراكةِ الوطنيّةِ، لأنّ كلَّ خللٍ في إحداهما ينعكسُ مباشرةً على الأخرى.
ولعلّ هذہ الحقيقة هي ما عبّر عنه ميشال شيحا حين رأى أنّ لبنان بلدٌ يجب أن يبقى في سكينةٍ تامّة، لأنَّ بنيانَهُ السياسيّ والاجتماعيّ يقومُ إلى حدٍّ بعيدٍ على الأعرافِ والعاداتِ والتقاليدِ والتوازناتِ الدقيقة التي نسجَها التاريخُ بينَ مكوّناتِه المختلفة، والتي من واجبِ هذہِ التقاليدِ أنْ تصونَهُ منَ العنفِ. فالاستقرارُ في لبنانَ ليسَ مجرّدَ حاجةٍ أمنيّة، بل شرطٌ لعملِ المؤسّساتِ وحمايةِ الشراكةِ الوطنيّةِ وصونِ العيشِ المشترك. وكلُّ اهتزازٍ لهذہِ السكينةِ ينعكسُ مباشرةً على التوازناتِ التي يقومُ عليها النظامُ اللبناني، ويُهدّدُ قدرةَ الدولةِ على أداءِ رسالتِها الجامعة".
واردف: "تكتسبُ وثيقةُ الوفاقِ الوطنيِّ المنبثقةُ من اتّفاقِ الطائف أهمّيّةً خاصّة، بوصفِها محاولةً لتطويرِ الصيغةِ اللبنانيّةِ وتعزيزِ المشاركةِ المتوازنةِ بينَ مكوّناتِ المجتمع. ومهما تعدّدتِ الآراءُ حولَ التطبيقِ والممارسة، فإنّ المبادئَ التي أكّدَ عليها الطائف، وفي مقدّمتِها المناصفةُ والشراكةُ واللامركزيّةُ الإداريّةُ الموسّعةُ والعيشُ المشتركُ، تبقى جزءًا من مسارٍ تاريخيٍّ طويلٍ يجدُ بعضَ جذورِہ الفكريّةِ في تلكَ الرؤيةِ التأسيسيّةِ التي حملَها البطريرك الحويّك للبنان."
إنّ التحدّيَ الأكبرَ الذي يواجهُ اللبنانيّينَ اليومَ لا يَكمنُ في صياغةِ الأفكارِ والمبادئِ بقدرِ ما يكمنُ في تحويلِها إلى ممارساتٍ ومؤسّسات. فالدستورُ لا يحيا بنصوصِه وحدَها، بل بثقافةٍ دستوريّةٍ تؤمنُ باحترامِ القانونِ والمساءلةِ والتداولِ السلميِّ للسلطةِ، وبأولويّةِ المصلحةِ العامّةِ على المصالحِ الفئويّةِ الضيّقة.
لقد مرَّ لبنانُ خلالَ العقودِ الأخيرةِ بمحطّاتٍ صعبةٍ واختباراتٍ قاسيةٍ هزّتِ الاقتصادَ والإدارةَ والمؤسّسات، وأثّرت في ثقةِ المواطنينَ بدولتِهم. غيرَ أنّ التجاربَ التاريخيّةَ تُثبتُ أنّ الأوطانَ القادرةَ على تجديدِ ذاتِها هي تلكَ التي تعودُ في اللحظاتِ المفصليّةِ إلى مبادئِها التأسيسيّةِ لتستلهمَ منها عناصرَ النهوضِ والاستمرار. وليسَ المقصودُ بذلكَ العودةَ إلى الماضي بوصفِه نموذجًا جامدًا، بل الاستفادةُ من قِيَمِه في مواجهةِ تحدّياتِ الحاضرِ واستحقاقاتِ المستقبل.
وفي هذا الإطار، تبدو السيادةُ والميثاقيّةُ والعيشُ المشتركُ مفاهيمَ مترابطةً لا يمكنُ الفصلُ بينها. فسيادةٌ بلا شراكةٍ وطنيّةٍ متينةٍ تبقى هشّةً ومُعَرَّضةً للاهتزاز، وشراكةٌ بلا دولةٍ سيّدةٍ وقادرةٍ تبقى مُهَدّدةً بالتفكّك، أمّا العيشُ المُشتَركُ فلا يزدهرُ إلّا في ظلِّ مؤسّساتٍ عادلةٍ تحمي الحقوقَ وتصونُ الحرّيّاتِ وتُؤمّنُ تكافؤَ الفرصِ بينَ جميعِ المواطنين.
ومن هنا، فإنّ الجامعاتِ والمؤسّساتِ التربويّةَ والثقافيّةَ مَدْعُوّةٌ إلى أداءِ دورٍ محوريٍّ في ترسيخِ هذہ الثقافة: ثقافة الدولة. فالمواطنةُ ليست مُعْطًى طبيعيًّا يولدُ مع الإنسان، وإنّما هي بناءٌ تربويٌّ وأخلاقيٌّ وثقافيٌّ طويلُ الأمد. وكلّما نجحنا في تكوينِ أجيالٍ مؤمنةٍ بالدولةِ والقانونِ والتعدّديّةِ والحوار، اقتربنا أكثرَ من تحقيقِ الحلمِ اللبنانيِّ الذي ناضلَ من أجلِه المؤسّسونَ الأوائل. وهذا ما حاولنا أنْ نكرِّسَهُ في الإطارِ الوطنيّ لِمنهاجِ التعليمِ العامّ ما قبلِ الجامعي الذي عَمِلتُ عليهِ يومَ كنتُ وزيرًا للتربيةِ والتعليم العالي وقد أطلَقتُ ورشةَ تطويرِ المناهجِ التربويّةِ في المركزِ التربويّ للبحوثِ والإنماء مع نخبةٍ كبيرةِ مِن أهلِ الإختصاصِ والرأيِّ في لبنان.
عندما نستعيدُ اليومَ إرثَ البطريركِ الحويّك، فإنّنا لا نبحثُ عن أجوبةٍ جاهزةٍ لكلِّ أسئلةِ الحاضر، بل نستمدُّ من تجربتِه مجموعةً من المبادئِ الهادية: الإيمانُ بلبنانَ وطنًا نهائيًّا لجميعِ أبنائِه، التمسّكُ بالسيادةِ والاستقلال، احترامُ التعدّديّةِ باعتبارِها مصدرَ غِنًى، وتغليبُ الحوارِ والتفاهمِ على منطقِ الصراعِ والإقصاءِ. وهي مبادئُ لا تزالُ، بعد أكثرَ من قرنٍ على ولادةِ لبنانَ الكبير، تشكّلُ الأساسَ الذي يمكنُ للّبنانيّينَ أن يبنوا عليه مشروعَ نهوضِهم الوطنيِّ واستعادةَ ثقتِهم بدولتِهم ومستقبلِهم؛ كما أنَّ هذہ المبادىءَ تتجلّى أيضًا في الإطارِ الوطنيّ الذي أطلقتُ عليهِ تسميةَ "الطائفِ التربويّ".
وختم الحلبي: "أجدُ من الواجبِ أن أتوجّهَ بكلمةٍ صادقةٍ محبَّة بعيدة عن النقدِ اللّاذعِ إلى أبناءِ الكنيسةِ المارونيّةِ وإلى جميعِ المسيحيّينَ في لبنان، وهم الورثةُ الطبيعيّونَ لإرثِ البطريركِ الياس الحويّك وفكرِہ الوطنيّ؛ فاستذكارُ الحويّك لا يكونُ بتكريمِ ذكراہ فحسب، بل بحفظِ الأمانةِ التي حملَها والدفاعِ عن الرؤيةِ التي ناضلَ من أجلِها.
لقد كانَ الحويّك مؤمنًا بلبنانَ الكبير وطنًا جامعًا، لا ملاذًا لجماعةٍ دونَ أخرى، ولا مشروعَ انعزالٍ أو انكفاء. ولذلك، فإنّ الحفاظَ على إرثِه يقتضي التمسّكَ بفكرةِ الدولةِ الواحدةِ الجامعةِ، وعدمَ الانجرارِ وراءَ الدعواتِ التي تُغذّي الانقسامَ أو الفدراليّة أو تُعيدُ إنتاجَ الحواجزِ بينَ اللبنانيّين، أيًّا كانَ مصدرُها أو الدافعُ إليها.
إنّ ما يمرُّ به لبنانُ اليومَ من أزماتٍ عميقةٍ ومخاطرَ وجوديّةٍ قد يدفعُ بعضَ النفوسِ إلى اليأسِ أو إلى البحثِ عن حلولٍ تُوحي بالأمانِ الآنيّ، غيرَ أنّ التجاربَ التاريخيّةَ تُعلّمُنا أنّ الأوطانَ لا تُبنى بالتقوقعِ ولا تتعافى بالتفكّك، وأنّ المراحلَ الصعبةَ، مهما طالت، تبقى عابرةً أمامَ إرادةِ الشعوبِ وقدرتِها على النهوض.
وبالتالي فإنّ الوفاءَ الحقيقيَّ للبطريركِ الحويّك يَكمنُ في التمسّكِ بلبنانَ الذي أراده وسعى إلى قيامِه، ولا سيّما من خلالِ نضالِه المشتركِ مع مطرانِ زحلة للرومِ الملكيّين الكاثوليك المطران كيرللس مغبغب، عبرَ المذكّراتِ والعرائضِ التي رفعاها إلى مؤتمرِ الصلحِ دفاعًا عن حقِّ لبنانَ في الاستقلالِ والكيان. فالمسيحيّونَ الذينَ كانَ لهم دورٌ أساسيٌّ في ولادةِ هذا الوطنِ مدعوّونَ اليومَ، أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى، إلى التمسّكِ برسالتِه التاريخيّةِ والوطنيّةِ، وإلى المساهمةِ في حمايةِ وحدتِه وصونِ العيشِ المشتركِ بينَ أبنائِه، لأنّ في ذلكَ حفظًا لإرثِ الحويّك، وصونًا للبنانَ نفسِه.
ولعلّ خيرَ ما أُنهي به هو ما عبّرَ عنهُ البطريركُ الياس الحويك في رؤيةٍ وطنيّةٍ جامعةٍ سبقت عصرَها ولا تزالُ تحتفظُ براهنيّتِها إلى يومِنا هذا، إذ قال: "بالنسبة إليّ لا يوجد في لبنان طوائف، ولكنّ طائفةً واحدةً اسمُها الطائفةُ اللبنانيّة، ولا أفتّشُ إلّا عن مصلحةِ لبنان، وإنّني مستعدٌّ أن أتحمّلَ كلَّ التضحياتِ لتحقيقِ هذا الهدف... لبنانيّونَ نحنُ، لبنانيّينَ سنبقى".
بو هدير
وادار الاعلامي ماجد بو هدير المحور الثاني حول البطريرك الياس الحويّك على درب القداسة 2026. وقال: "إنها درب الدعوة الشمولية لنا جميعاً، والتي تمهّدت في مطلع ألفيّة أولى لكيما يكون إنجيلها خارطة طريق لنا.
طريقٌ يسلكها إنسان الأرض الذي جُبل من تراب، وإليه يعود، فيه يقف أمام مسؤولية وضع وزناته التي مُنحت له من صانعه لكيما تزهر شهادةً، رصيداً، ثماراً وأكثر."
خيرالله
وتناول رئيس اللجنة الأسقفيّة لوسائل الإعلام في لبنان المطران خير الله "البطريرك الياس الحويّك رجل القداسة".
وتحدث عن مسيرة القداسة في حياة البطريرك الحويك "ابن بلدة حلتا البترونية، واعيًا، منذ طفولته، أن الدعوة إلى القداسة تعاش أولاً في العائلة، ثم في الرعية، ثم في الكنيسة وفي المجتمع، لتشهد للطاعة لإرادة الله".
كما تكلم عن القداسة في فكر البطريرك الحويك وتعليمه حيث كانت القداسة بالنسبة إليه هي البحث عن الله والبحث عن الإله الواحد وكانت ايضا الحياة مع المسيح ودعوة كل مسيحي الى القداسة.
وختم خير الله: "إن طريق القداسة هي طريق مفتوحة لجميع أبناء الله. وأن مسيرة قداسة البطريرك الياس الحويك ليست مسيرة فرد، بل هي امتداد لمسيرة كنيسة أعطت شهودًا وقديسين على مدى تاريخها وأحبها البطريرك الحويك وحافظ على تراثها وتقاليدها وتفانى في خدمتها. وأن العناية الإلهية التي اتّكل عليها البطريرك الحويك منذ صغره رافقته في كل مراحل حياته، وكان هو مسلِّمًا إليها شؤونه وشجونه كما شؤون وشجون شعبه، حتى دُعي: ابن العناية الإلهية. وأن البطريرك الحويك أحبّ الكنيسة، واحترم السلطة الكنسية، وعلى رأسها البطريرك الأب والراعي والمرجع والقائد لشعبه، كما احترم أولوية بابا روما خليفة القديس بطرس. ومن خلالهما انفتح على الكنيسة الجامعة. وكان البطريرك الياس الحويك راعياً يحمل قيمًا مسيحية وإنسانية وقناعات وطنية ورسالة جامعة تسمو فوق الطوائف، جعلت منه مرجعاً وطنياً لجميع اللبنانيين، فاجتمعوا حوله واثقين بقدرته على تحقيق أمانيهم لبناء دولة مستقلّة. وبتفويض منهم راح ينطق باسمهم في جميع المحافل الدولية خصوصاً في مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919، فاستطاع أن يقنع سلطة الإنتداب بإعلان دولة لبنان الكبير، وأن ينتزع الإعتراف الدولي بها" .
الاخت متى
وتناولت الأخت يارا متى قداسة الطوباوي البطريرك الياس الحويّك من منظور كتابي، واضعةً إياه على خطى شخصيتين أساسيتين في العهد القديم: موسى القائد وإيليّا النبي. فقد أوضحت أنّ القداسة في الكتاب المقدّس ليست انفصالًا عن الواقع، بل دعوة ورسالة وخدمة، وأنّ الحويّك عاش هذه القداسة من خلال علاقته العميقة بالله، وصلاته الدائمة، واتكاله على العناية الإلهية.
وابرزت أوجه الشبه بين الحويّك وموسى من خلال القيادة الحكيمة، والشجاعة في تحرير الشعب من الظلم والجوع والاستعباد، والدفاع عنه أمام مراكز القرار، وصولًا إلى تأسيس كيان جديد يتمثّل في لبنان الكبير، كما أسّس موسى شعبًا يسير على شريعة جديدة. كما تقارنه بإيليّا من حيث الغيرة للإيمان، والدفاع عن الحق، والقدرة على توجيه الشعب في زمن الاضطرابات، والاستمرار في الرسالة الروحية.
وخلصت إلى أنّ إرث البطريرك الحويّك ليس ذكرى من الماضي، بل دعوة مستمرة إلى السير في دروب القداسة اليوم، من خلال بناء العائلة، وحب الوطن، ومواجهة الفساد، وخدمة الكنيسة والمجتمع، والاتكال على الله، والاكتفاء برضاه. فالقداسة هنا هي مسيرة قيادة ونبوءة وخدمة، تُلهم المؤمنين وكل إنسان يريد أن يجعل من حياته شهادة للخير العام.
الاخت حنا
وفي مداخلتها بعنوان «قداسة التزام بالله، بالوطن وبالإنسان»، قدّمت امينة السر العام في جمعية راهبات العائلة المقدسة الأخت نورا الخوري حنّا قراءة روحية وإنسانية في قداسة البطريرك الياس الحويّك، معتبرةً أنّ قداسته لم تكن قداسة انعزال أو ابتعاد عن هموم الناس، بل قداسة التزام ومسؤولية وخدمة. فقد أحبّ الله حبًّا عميقًا، وترجم هذا الحبّ في خدمة الكنيسة، والوطن، والإنسان، خصوصًا في زمن الجوع والتهجير والأزمات. وأبرزت أنّ البطريرك الحويّك لم يكتفِ بالصلاة والرؤية، بل بادر بشجاعة: دافع عن المظلومين، أسّس جمعية راهبات العائلة المقدسة، عمل على إنقاذ شعبه من المجاعة، وترأّس الوفد اللبناني دفاعًا عن حق لبنان في الكيان والاستقلال. وهكذا ظهرت قداسته كقداسة فاعلة، تجمع بين الإيمان والعمل، وبين المحبة والتضحية، وتُذكّر بأنّ خدمة الإنسان والوطن يمكن أن تكون طريقًا حقيقيًا إلى القداسة.
وتخلل المؤتمر محطات مع ترانيم مستوحاة من كتابات الطّوباوي البطريرك الياس الحويّك.
وفي الختام، قدمت الأخت شلالا دروعا تذكارية للمحاضرين، عربون شكر وتقدير.