الاثنين ٢٦ تشرين أول ٢٠٢٠
يوم خسرت بيروت مرفأها....
01-09-2020 | 19:43
يوم خسرت بيروت مرفأها....

الرابع من شهر آب عام 2020، هو الزلزال الذي ضرب بيروت، وكانت نتيجته تدمير أحد أهم معالم المدينة، ألا وهو مرفأ بيروت، ذلك الصرح الذي رافق كل مراحل تطور المدينة، لا بل إن المدينة تدين له بما وصلت إليه من إزدهار منذ منتصف القرن التاسع عشر.

مرفأ بيروت هو من أقدم المرافئ على ساحل البحر المتوسط، كان يقع عل مدخله برجان يسمى أحدهما برج الفنار والثاني برج السلسلة، وكانت تفصل بينهما سلسلة حديدية تسد مدخل المرفأ، وفي العام 1849 ونتيجة عاصفة قوية تهدم الرصيف الذي يربط السلسلة باليابسة، وفي العام 1860 أقيم السنسول لتدعيم باب السلسة

إزدهر مرفأ بيروت في تلك الحقبة المهمة من تاريخ المدينة، حيث كانت المخازن ممتلئة بالسلع الأجنبية تستورد عبر المرفأ، وبدأت مدينة بيروت في التحول الى مركز تجاري هام على الساحل الشرقي للمتوسط، حيث كانت تقوم منازل الأجانب وقناصل الدول الأوروبية على الضفة الجنوبية.

ارسل تجار بيروت عريضة الى الدولة العثمانية في العام 1867، طالبوا بموجبها بتوسعة مرفأ بيروت وتعيين رئيس جديد لمحكمة تجارة بيروت يتقن اللغتين العربية والفرنسية، كما إلتجأ تجار بيروت الى نقولا نقاش وحسن بيهم ممثلي بيروت في مجلس المبعوثان لمساندتهم في طلبهم.

كان لإفتتاح قناة السويس عام 1868، أثرا" إيجابيا" في إزدهار مرفأ بيروت فقد إنتقل إليه تجار دمشق وحلب نتيجة التراجع في تجارة القوافل البرية، ومع تحول مدينة بيروت الى مركز ولاية بيروت في العام 1887، حدث تطور عمراني وإقتصادي هام، شمل إنشاء الشركة العثمانية لمرفأ بيروت، ومنذ العام 1863، كانت المحاولات جارية للحصول على إمتياز المرفأ من قبل الشركات الخاصة وبلدية بيروت، حتى نال نال يوسف افندي مطران إمتياز إدارة المرفأ، في العام 1887، وكانت مدة الإمتياز ستين عاما" ، وقد نشأت الشركة العثمانية للمرفأ على أساس هذا الإمتياز وضمت مساهمين عثمانيين وفرنسيين، وقد بدأ العمل في العام 1890.

تمت توسعت المرفأ، فتم إقامة موانئ جديدة في الحوض التابع للمرفأ وقد كانت الشركة تستغل العمال ، مما أدى الى تحركات ضدها من قبل العمال ، وقد أدى ذلك الى تأسيس الإتحاد العمالي.

تحرك العمال إعتراضاً على عدم قيام الشركة بزيادة رواتب العمال، فتوقفوا عن العمل، مما أضر بحركة الملاحة في المرفأ، وقد قامت صحف بيروت بتأييد موقف العمال، حيث كتب عبد القادر قباني مقالة بعنوان:" اين الحمالون والمكاريون والملاحون؟"

خلال الحرب العالمية الأولى، حاصر الحلفاء مرفأ بيروت، فإنعكس ذلك سلباً على إبحار المراكب الشرعية التجارية، ورغم الحصار كانت المساعدات تصل عبر الغواصات الألمانية.

في العام 1925، تحولت ملكية شركة المرفأ الى السلطات الفرنسية بعد وقوع لبنان تحت الإنتداب الفرنسي وعرفت الشركة بإسم "شركة مرفأ وأرصفة وحواصل بيروت"، وأصبحت الشركة مالكة إمتياز المرفأ شركة فرنسية براسمال قدره خمسة ملايين فرنك، موزعة على عشرة ألاف سهم.

إشترت الجمهورية اللبنانية إمتياز الشركة الفرنسية في العام 1961، وتحولت إدارتها الى شركة لبنانية هي " شركة إدارة وإستثمار مرفأ بيروت"، وتم إجراء تحسينات على المرفأ.

في العام 1970، تم تدشين الإهراءات المخصصة للقمح وسائر الحبوب، وبلغت التكاليف ثمانية عشر مليون ليرة لبنانية، وتميزت الإهراءات بأبنيتها الشاهقة التي تتيح التخزين والمحافظة على كمية من الحبوب تبلغ أربعين بالمئة من الإستيراد السنوي، وإستمر العمل بالمرفأ رغم الحرب الأهلية، وفي العام 1978، جرى توسيع الإهراءات.

إنتهت مدة الإمتياز الممنوح لشركة إدارة المرفأ في العام 1991، وكان هنري فرعون قد تولى رئاسة مجلس إدارة شركة المرفأ لمدة خمسة واربعين عاماً.

يعتبر مرفأ بيروت، أول منطقة حرة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، مما ساعد على جذب المؤسسات والتجار للإستثمار فيها، ولا شك أن بيروت تدين بتطورها الى وجود المرفأ على شواطئها، فتجارة الحرير ايام المتصرفية، كان مرفأ بيروت هو متنفسها الإقتصادي، وقد إحتلت بيروت مكانة مميزة في عالم التجارة، وقد كانت المركز المالي والمصرفي، وشكلت نقطة إنطلاق للمصالح الفرنسية في الشرق، كما لعب مرفأ بيروت دوراً بارزاً في إقتصاد لبنان، فكان الرئة التي تتنفس منها مدينة بيروت.

بيروت يتمية في هذه الأيام، فقد خسرت رئتها ومتنفسها، وهي التي إعتادت أن تتكئ على هذا المرفأ في تجارتها وتطورها.

زكريا الغول
محامي -محلل سياسي

نذكركم انه بات بإمكانكم متابعة صفحة موقع Business Echoes على إنستغرام من خلال الضغط هنا والتي سيكون محتواها مختلفاً عن المحتوى الذي ننشره على صفحة فايسبوك.



RSS Facebook Twitter YouTube LinkedIn
© 2020 Business Echoes | تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة