الأربعاء ٢٤ شباط ٢٠٢١
محمد علي باشا واللعب مع الكبار
02-02-2021 | 18:44
محمد علي باشا واللعب مع الكبار

شكلت مصر منذ القدم نقطة محورية في السياسة الدولية، مما جعلها محط انظار واطماع القوى الكبرى، ولعل اهم العوامل الجاذبة في جغرافية مصر السياسية هي موقعها الإستراتيجي، وبالنظر الى ما تقدم وفي خضم الصراع البريطاني -الفرنسي المتمحور حول فتح اسواق جديدة و السيطرة على طرق تجارة الحرير، برز قيام نابوليون بونابرت بحملته الشهيرة على أراضي مصر التي كانت تابعة وقتها للدولة العثمانية، مستغلاً الضعف والوهن الذي بدأ يظهر على دولة بني عثمان وتحديداً في القرن التاسع عشر .

لأجل إستراداد مصر من النفوذ الفرنسي، جندت الدولة العثمانية قوة بقيادة شخص من مدينة قونية يدعى محمد علي وهو متحدر من اصول البانية، وكان الهدف إخراج الفرنسيين وإعادة بلاد الأهرام الى كنف الدول العثمانية.

كان محمد علي في الأصل تاجراً، لكن بسبب تردي الأوضاع التجارية عقب الثورة الفرنسية، بادر الى الإلتحاق وقيادة القوة العثمانية المتوجهة الى مصر، حيث إستطاع بعد صراعات داخلية فرض سيطرته وسطوته على البلاد عقب مجزرة القلعة التي إرتكبها بحق المماليك، الأمر الذي مهّد له الطريق لإستلام ولاية مصر عبر فرمان من السلطان العثماني ومطالبة شعبية مصرية .

كان لإستلام محمد علي باشا ولاية مصر أثر كبير على مستقبل البلاد، ولعله بدأ التفكير في خطط مستقبلية للإستقلال بتلك الأراضي، مستغلاً ضعف السلطة المركزية في إسطنبول، وكان لإستعانة السلطان العثماني بأحد ولاته ألا وهو محمد علي في قمع حركة الوهابيين في الحجاز وثورة اليونانيين، محفزاً لمحمد علي في تثبيت فكرته حول الإستقلال عن السلطنة العثمانية وحكم مصر، فطالب جراء ذلك بمكافأة له نتيجة قمعه الثورات ضد السلطان العثماني، وكانت مطلبه الحصول على بلاد الشام وضمها الى حكم مصر، لما تمثله بلاد الشام من حاجز إستراتيجي مهم يحصن به ملكه .

إستغل محمد علي باشا، رفض السلطان منحه بلاد الشام، فقام بإرسال حملة بقيادة إبنه أبراهيم باشا، فتمكن هذا الأخير من فرض سيطرته على كامل بلاد الشام، لا بل وصل الى حدود العاصمة العثمانية، مستغلاً قوة جيشه وضعف نظيره العثماني، ليحدث اول تدخل أوروبي لمصلحة الدولة العثمانية منعاً لإنهيارها، وتم توقيع إتفاقية كوتاهية في العام 1833، بتدخل الدول العظمى وقتها، حيث نال محمد علي حكم مصر وبلاد الشام .

إن سبب تدخل الدول العظمى وقتها لمصلحة توقيع الإتفاقية، كان بسبب الخوف من إنهيار الدولة العثمانية وقيام حرب كبرى لإقتسام أراضيها، خاصة بين روسيا وبريطانيا، مما يزعزع الإستقرار في القارة العجوز التي تم عقب إنهاء ظاهرة نابوليون .

بعد حوالي سبع سنوات من توقيع الإتفاقية، قامت الحرب المصرية – العثمانية الثانية، وتم تشكيل التحالف الخماسي بين الدول الأوروبية العظمى والدولة العثمانية لإنهاء حكم محمد علي لبلاد الشام وإخراجه منها، خاصة بعد وفاة السلطان العثماني محمود الثاني، وظهور مؤشرات حول وجود نوع من الدعم لمحمد علي من بعض الباشوات العثمانيين، إضافة الى طموحه في وراثة الدولة العثمانية .

إستطاع التحالف الأوروبي - العثماني، إخراج قوات محمد علي من بلاد الشام، لينفرد بحكم مصر له ولذريته من بعده، ذلك الحكم الذي إستمر حتى العام 1952، حيث سقط حكم الأسرة العلوية عبر ثورة الثالث والعشرين من تموز المصرية .

شكلت تجربة محمد علي وطموحه في إنشاء دولة إقليمية عظمى ترث الدولة العثمانية، عاملاً مؤثراً في لفت نظر الدول العظمى، خوفاً من قيام دولة كبرى تزعزع الستاتيكو الدولي القائم وقتها، والتوازن القائم بعد إنتهاء حروب نابوليون، مما مهد الطريق لكبح جماحه وإعادة بلاد الشام لسلطة العثمانيين .

تعتبر تجربة محمد علي باشا درساً في ما يصطلح على تسميته "باللعب مع الكبار"، فهي أكدت أن الإستقرار الدولي وميزان القوى بين الدول العظمى دقيق جداً، وأن أي مخالفة له، خاصة من دول تعتبر صغرى، قد يعرض الأمن والإستقرار العالميين للخطر وهو ما يعتبر بمثابة لعب مع كبار الدول، مما يفرض قيام هذه الأخيرة بإنهاء أي ظاهرة معاكسة، وهذا ما حدث مع تجربة محمد علي باشا.

قد يكون من المفيد التذكير بتجربة محمد علي باشا، خاصة مع وجود دول تطمح للعب أدوار قد تزعزع الإستقرار الدولي، مما يعتبر "لعباً مع الكبار".

المحامية ندين عراجي

نذكركم انه بات بإمكانكم متابعة صفحة موقع Business Echoes على إنستغرام من خلال الضغط هنا والتي سيكون محتواها مختلفاً عن المحتوى الذي ننشره على صفحة فايسبوك.



RSS Facebook Twitter YouTube LinkedIn
© 2021 Business Echoes | تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة