السبت ١٥ آب ٢٠٢٠
شركة الهند الشرقية
01-07-2020 | 22:59
شركة الهند الشرقية

كثر الحديث مؤخراً حول التوجه شرقاً، وأثار اللغط بين المكونات السياسية وغير السياسية في لبنان، وأصبح مدار جدل بين مؤيد ومعارض.

وبالعودة الى الشرق، فقد شكل هذا الأخير نقطة جذب للأوروبيين قديماً وما يزال، وكانت طرق التجارة القديمة المعروفة بإسم " طرق الحرير"، هي ارض الصراع الملتهب بين القوى الكبرى للسيطرة على تلك الطرق، فكان صراع البرتغاليين والإسبان وبعدهم الإنكليز والهولنديين والعثمانيين والصفاويين والروس، ومحوره السيطرة على تلك الطرق والإستفادة من العائدات التجارية المترتبة على التجارة بين الهند والصين بإتجاه أراضي القارة القديمة.

ولعب الإنكليز كعادتهم الدور الريادي في الصراع حول السيطرة على طرق التجارة القديمة " طرق الحرير"، فكان أن شكلوا شركة الهند الشرقية، عبر الملكة إليزابث الأولى التي أصدرت مرسوما بإنشائها في 31 كانون الأول من العام 1600، وتم منح الشركة سلطات احتكارية على تجارة الهند وجميع مستعمراتها في جنوب شرق آسيا لمدة 21 عاما، وبهذا تحولت هذه الشركة من مشروع تجاري إلى مؤسسة تحكم جميع الولايات الهندية وجميع مستعمرات التاج البريطاني في المنطقة وذلك بدعم سياسي وعسكري من بريطانيا.

عملت الشركة في تجارة التوابل بداية، وما لبثت أن افتتحت مركزاً تجارياً في بنتام في أول رحلة ووردت الفلفل من جاوة والذي جاء جزءاً هاماً من تجارة الشركة لعشرين عاماً، كما قامت ببناء أول مركز تجاري لها في جنوب الهند على ساحل كروماندل في خليج البنغال، أما بالنسبة الى الأرباح المرتفعة التي حققتها الشركة في الهند في البداية فقد شجعت الملك جيمس الأول على منح تراخيص فرعية لشركات تجارية أخرى،  لكن في العام 1609 تم تجديد التفويض الممنوح للشركة لفترة غير محددة.

كثيراً ما اشتبك التجار الإنگليز مع نظرائهم الهولنديين والبرتغاليين في المحيط الهندي، لتحقق الشركة انتصاراً كبيراً على البرتغاليين في معركة سوالي عام 1612، حيث قررت الشركة استكشاف إمكانية الحصول على موطئ قدم في البر الرئيسي الهندي، مع موافقة رسمية من البلدين، وطلبت أن يرسل التاج بعثة دبلوماسية.
وفي العام 1612، أصدر جيمس الأول تعليماته بزيارة سلطان المغول نور الدين سليم جهانكير من أجل إبرام معاهدة تجارية تمنح الشركة الحقوق الحصرية للإقامة ولبناء مراكز تجارية في سورات ومناطق أخرى،  وعرضت الشركة أن تمد السلطان بالبضائع والتحف من السوق الأوروبية، وقد حققت هذا البعثة نجاحاً باهراً حيث أرسل جهانكير رسالة إلى جيمس عن طريق سير توماس رو.

في العام 1634، مدد سلطان المغول ضيافته للتجار الإنكليز إلى منطقة البنغال، وعام 1717 تم التنازل عن الرسوم الجمركية التجارية بالكامل، علماً أن الدعامة الرئيسية لأعمال الشركة كانت متمثلة في القطن، الحرير، صبغة النيلة، الملح الصخري، والشاي.

منح الملك تشارلز الثاني الشركة (في سلسلة القوانين الخمسة حوالي عام 1670) حقوق الاستحواذ الذاتي على الأراضي، صك الأموال، تشييد القلاع وقيادة القوات وتأسيس تحالفات، شن الحروب وإقامة السلام، وتطبيق التشريعات المدنية والجنائية على المناطق المستحوذ عليها،  في قانون كان يهدف إلى تدعيم نفوذ شركة الهند الشرقية.

في العام 1689 هاجم أسطول المغول بقيادة سيدي يعقوب بومباي، وبعد عام من المقاومة استسلمت شركة الهند الشرقية عام 1690، وأرسلت الشركة مبعوثيها لطلب العفو، حيث دفعوا تعويضاً كبيراً، ووعدوا بسلوك أفضل في المستقبل، وسحب الامبراطور قواته ولاحقاً أعادت الشركة تأسيس نفسها في بومباي وأقامت قاعدة جديدة في كلكوتا.

في العام 1773 استصدر اللورد نورث من البرلمان قانوناً تنظيمياً أقرض الشركة سلفة مقدارها 1.400.000 جنيه لينقذها (هي ومساهميها من النواب) من الإفلاس، بعد أن انخفضت عائدات أراضي الشركة بشكل كبير كما تم أخضاع جميع الأقاليم التي تحكمها الشركة في الهند لرآسة البنغال على أن تكون هي بدورها مسئولة أمام الحكومة البريطانية وعين وارن هيستنجز حاكماً على البنغال.

كانت التجارة هي المظهر البراق للشركة، لكنها في حقيقة الأمر كانت تعتمد على تجارة العبيد، كما كان للشركة جيشها الخاص الذي وصل تعداده الى 200 ألف جندي في العام 1800، وعبره تم إخضاع الولايات الهندية، كما قامت الشركة أيضاً ببيع الأفيون الى الصين لتمويل مشتراياتها، الأمر الذي أدى الى إندلاع حربي الأفيون الأولى والثانية.

أنشأت الشركات العديد من المجمعات السكنية فى الهند والتى أصبحت فيما بعد ثكنات عسكرية تهاجم المدن والبلدات الهندية وتستبيحها، وذلك بالتعاون مع أباطرة المغول، واستطاعت شركة الهند الشرقية أن تبسط مظاهر النفوذ والسيطرة على المزيد من الأنحاء فى الهند، وفى العام 1858 قامت الحكومة البريطانية بالاستيلاء على شركة الهند الشرقية، ومنذ ذلك الحين أصبحت جميع الأراضي التى كانت تملكها شركة الهند الشرقية تعرف باسم الهند البريطانية أي أنها تحت حكم التاج البريطاني وليس حكم شركة تجارية بريطانية فحسب.

ختاماً : الشرق هو مصدر الثروات والأديان، كما هو نقطة تلاقي طرق التجارة القديمة، ولبنان مصلحته أن يكون نقطة التلاقي بين الشرق والغرب، كما كانت وظيفته التاريخية.

زكريا الغول (محام بالإستئناف – ماجستير في التاريخ)

نذكركم انه بات بإمكانكم متابعة صفحة موقع Business Echoes على إنستغرام من خلال الضغط هنا والتي سيكون محتواها مختلفاً عن المحتوى الذي ننشره على صفحة فايسبوك.



RSS Facebook Twitter YouTube LinkedIn
© 2020 Business Echoes | تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة