السبت ١٦ تشرين أول ٢٠٢١
جمهورية العتمة الموحشة
05-10-2021 | 14:13
جمهورية العتمة الموحشة

سوليكا علاء الدين

لو أتيح لنا إضافة معنى مرادف لكلمة "الفساد" لكانت حتماً من نصيب الكهرباء، فهما توأمان لا يمكن فصلهما، يختلفان في الإسم ويتشابهان في المضمون. فعلى مدار عقود ثلاث، إرتبط ملف الكهرباء في لبنان بالفساد الإداري والمالي والسياسي، إذ يتفق الجميع على أنها ليست أزمةً مستجدّةً، بل هي أم الأزمات المستعصية والمزمنة ونتاج أعوام من عمليات الإهمال والسرقة الممنهجة والمناكفات السياسية العبثية والصفقات والسمسرات المشبوهة وجني الأموال غير المشروعة وتعبئة الجيوب الجائعة لتكون شاهدةً حيّةً على الفشل في إيجاد الخطط والحلول المجدية لتحسين أدائها وإنتاجيتها، وما عمّق من حدة تفاقمها هو الانهيار الاقتصادي الذي يعصف بلبنان لا سيما شح الدولار والمحروقات وصعوبة توفير مواد الطاقة واستمرار عمليات التخزين والتهريب.

لا يختلف قطاع الكهرباء عن باقي القطاعات الحيوية التي تديرها طبقة سياسية فاشلة عاثت في القطاع نهباً وفساداً وخراباً، فتحوّل على مر السنين إلى قطاع منهك وخاسر وغير فعال، إذ إن معامل إنتاجه قديمة ومحطات توليد الطاقة فيه محدودة وغير كفوءة وبنيته التحتية مهترئة تحتاج إلى الكثير من الصيانة وإعادة التأهيل، ناهيك عن عدم تغطية التعرفة المعتمدة حالياً تكلفة الإنتاج واستمرار التعديات على شبكاته وانعدام جباية الفواتير بطريقة مجدية في كثير من المناطق، ما جعله عاجز عن تأمين الحد الأدنى من التغذية الكهربائية. فبدل أن يكون هذا القطاع شريان حياة للبنان، أصبح عبئاً عليه جرّاء كلفته الكارثية وعجزه المالي المتصاعد الذي وصل عام 2020 إلى ما يقارب الـ 40 مليار دولار بعد أن بلغ عام 1.2 مليار دولار فقط عند انتهاء الحرب الأهلية عام 1990. هذا فضلاً عن استنزافه الخزينة المالية اللبنانية بين عامي 2000 و2020 بحوالي 23,5 مليار دولار على استيراد المحروقات من أجل تشغيل معامل الكهرباء أي بنحو ملياري دولار سنوياً ليضاعف عجز الخزينة وليحتل المرتبة الثانية في المساهمة في حجم الدين العام الذي تعدّى نسبة الـ 170 في المئة من الناتج المحلي اللبناني، والنتيجة مزيدٌ من العجز والنزف لماليّة الدولة وإفلاس وانهيار لمؤسسة الكهرباء.

وفي خضم الأزمة الاقتصادية، تعود مشكلة الكهرباء لتتصدّر المشهد من جديد بعد أشهر من التلويح المستمر والتهديد الدائم بالوصول إلى العتمة الشاملة وكأن اللبنانيين يعيشون في إنارة دائمة وليس في عتمة مبطّنة تأتي فيها ساعات الكهرباء بالقطارة، كي يُخشى من الوصول إلى مرحلة العتمة الكليّة التي أُغرِقت فيها أرواحهم وقلوبهم قبل أعينهم وأبصارهم. فللمرّة الرابعة على التوالي وخلال اسبوعين تنفصل شبكة الكهرباء عن كافة المناطق اللبنانية، إذ أعلنت مؤسسة كهرباء لبنان عن تخفيض قدرتها الإنتاجية لتصل إلى ما دون 600 ميغاواط من أصل حاجة لبنان المقدّرة بـ3000 ميغاواط بسبب نفاذ مخزونها الكلي من المحروقات والتوقف القسري للكثير من معامل إنتاجها آخرها معمل الذوق الحراري وعدم قدرتها على ثبات واستقرار الشبكة الكهربائية، الأمر الذي ينذر بانهيارها الشامل في أي لحظة.

ومع شحّ الأموال، وإطفاء معامل الإنتاج محركاتها، وعدم قدرة شبكة المولدات البديلة على سد نقص كهرباء الدولة وانتهاء عقد البواخر التركية ومغادرتها شواطئ الجية والذوق، سيصبح لبنان بلا كهرباء، وبلا مولدات وبلا أي مصدر بديل للطاقة.

لا يُعدّ النهوض في قطاع الكهرباء في لبنان مهمة مستحيلة، إنما يحتاج إلى نية صادقة وإدارة صحيحة وقرار جديّ بمعالجة مصادر الهدر وإعادة هيكلة وتنظيم القطاع وإجراء المشاريع الإصلاحية المطلوبة التي يشترطها صندوق النقد الدولي بعيداً عن المحسوبيات الخاضعة للمصالح الخاصة وزواريب المحاصصة ودهاليز الطائفية، والأهم من ذلك هو كفّ يد السلطة السياسية التي فتحت مزاريب النهب وشرّعت التوارث الوزاري ودمّرت القطاع وأغنت جيوبها وخزائنها على حساب خزينة الدولة وجيوب اللبنانيين الذين يدفعون ثمن فشلها وجشعها ويعانون من صعوبات معيشية قاهرة لتأتي أزمة الكهرباء وتضاعف من أوجاعهم وتسلبهم المزيد من صحتهم وأعصابهم وفتات أموالهم.

فصول نكسات الكهرباء لا تنتهي وكيفما انتقلنا من فصل إلى آخر يبقى النهب والعجز والفساد من أهم العناوين العريضة. فبعد سنوات عديدة من هدر للوقت والمال من أجل حلول ترقيعية ومناقصات وصفقات ملتبسة ووعود كاذبة، لم تفلح سياسات التقنين المتّبعة لتبقى أهم الإنجازات الكهربائية في لبنان هي العتمة الشاملة وليخيّم شبح الظلمة مجدّداً على اللبنانيين. فلبنان الموعود بكهرباء 24/24 ها هو اليوم يغرق في دوامة العتمة الشاملة ويرجع في 2021 عشرات السنين إلى الوراء، فأهلاً وسهلاً بكم في جمهوريّة العتمة الموحشة.

نذكركم انه بات بإمكانكم متابعة صفحة موقع Business Echoes على إنستغرام من خلال الضغط هنا والتي سيكون محتواها مختلفاً عن المحتوى الذي ننشره على صفحة فايسبوك.



RSS Facebook Twitter YouTube LinkedIn
© 2021 Business Echoes | تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة