الجمعة ٢٥ أيلول ٢٠٢٠
بيروت وإعلان الثورة العربية الكبرى
14-08-2020 | 14:10
بيروت وإعلان الثورة العربية الكبرى

تعيش المنطقة العربية حالياً في قسميها الأسيوي والأفريقي، في خضم صراعات مريرة، قد تترك اثرها السلبي على شعوب المنطقة ودولها لأعوام طويلة قادمة، واللافت هو تعدد أطراف هذه الصراعات، ولم تعد تقتصر على الصراع الأزلي مع العدو الصهيوني، بل تشعبت الصراعات وأطلت صراعات قديمة تعود لإمبراطوريات وسلطنات قديمة.

وبالعودة الى بعض الصراعات التي كان لها كبير الأثر في رسم خارطة وطننا العربي، لا بد من الإشارة الى الثورة العربية الكبرى، التي قادها الشريف حسين وأولاده ضد السلطنة العثمانية، ويهمنا التطرق الى موقف بيروت من إعلان تلك الثورة، نظراً لأهمية مدينة بيروت وموقعها الإستراتيجي، وكان أن تم إعلان تلك الثورة فعلياً في العاشر من حزيران عام 1916، في حين كانت بيروت تبحث عن هويتها العربية، وهي التي كانت تعيش مرحلة مهمة ومصيرية في التجاذب الذي كان حاصلاً قبل وقوع الثورة بين السياسة الإتحادية – الألمانية وبين السياسة الإنكليزية -الفرنسية.

كانت السياسة الإتحادية تقوم، خاصة في مرحلتها الأولى على عدم تقدير أهمية العروبة، بالتوازي كانت السياسة الألمانية قائمة على إستمالة المسلمين، ونظرت الى اهمية إعلان الجهاد، تلك السياسات الإتحادية – الألمانية لم تستطع التفوق على سياسية الحلفاء في بيروت، بالرغم من إختيارها مركزاً للتنسيق مع الجمعيات الوطنية المصرية السرية وتهريب الأسلحة الى مصر لمقاومة الإنكليز، كما رغم تعيين المستشرق الألماني ماكس فون أوبنهايم رئيساً لدائرة الإستخبارات الألمانية في الشرق، والذي أخذ فور وصوله الى بيروت في محاولة إستمالة المواطنين البارزين أمثال شكيب أرسلان، صالح شريف التونسي وعبدالعزيز جاويش.

وقد أسس الألمان في بيروت نادي "مقتطف الأخبار" ومركزه ساحة البرج، وكان بإدارة محمد الريس، أما بخصوص نشاطه الفعلي فكان الجاسوسية عبر كارل هويل ويعاونه ضباط ألمان وعثمانيين، وكانت الغواصات الألمانية ترسو في مرفأ بيروت، ليتعرض للحصار عبر قوات الحلفاء، مما فاقم الأزمة الإقتصادية.

ساهم التحالف الإنكليزي – الفرنسي في تعزيز التحركات العربية ضد السلطنة العثمانية، وكان هذا التحالف قد بدأ عمله عبر إرسالياته منذ العام 1875، وما عقد المؤتمر العربي في باريس عام 1913، سوى تهيئة أهالي بيروت للقبول بالتدخل الأجنبي فرنسياً كان أم بريطانياً، وكان الهدف الفرنسي يتمثل في جعل بيروت مدينة كوسموبوليتية، وإيجاد الشك حول هويتها، وإعتبار المدن الداخلية الأربع : دمشق وحمص وحماه وحلب، هي المدن العربية الصميمة.

كان الهدف الإنكليزي الذي تبلور عبر مراسلات الحسين - مكماهون يتمثل في نزع الأجزاء العربية غربي دمشق من الأراضي المطلوبة لقيام دولة عربية، بحيث لا تعتبر بيروت مناطق عربية صافية، ما يمهد الطريق لقيام فرنسا فيما بعد بوضع يدها عليها، وهي التي كانت قد باشرت ذلك سابقاً عبر إرسالياتها.

في هذه الظروف، إندلعت الثورة العربية الكبرى في العاشر من حزيران عام 1916، من الحجاز لتشمل سائر مناطق المشرق العربي، ليدخل فيصل بن الحسين دمشق في الثالث من تشرين الأول عام 1918، وشكل الحكومة العربية فيها في الثامن والعشرين من نفس العام وكانت برئاسة الأمير سعيد الجزائري، الذي بعث بدوره ببرقية الى بيروت في الثلاثين من أيلول طالباً فيها تشكيل حكومة عربية بإسم الحكومة التي تأسست في دمشق، وبناء على تلك البرقية تشكلت الحكومة العربية في بيروت في الأول من تشرين الأول عام 1918، وكانت برئاسة عمر الداعوق وتسلمت مقاليد الحكم من الوالي إسماعيل حقي بك، وتم إختيار أحمد مختار بيهم مديراً للأمن العام، يعاونه سليم الطيارة وجان فريج، وحسن قرنفل ونسيم مطر لإدارة الإعاشة، ومحمد فاخوري ويوسف عودة لإدارة المؤسسات الخيرية.

تحولت السراي الكبير (القشلة) الى مقر الحكومة العربية في بيروت في الثالث من تشرين الأول عام 1918، ورفع العلم العربي في السادس من تشرين الأول، بالتزامن مع وصول اللواء شكري باشا الأيوبي الى بيروت موفداً من الأمير فيصل، وقد إستمرت الحكومة العربية أحد عشر يوماً، حتى الحادي عشر من تشرين الأول، لتدخلها قوات الحلفاء، إنفاذاً لإتفاقية سايكس – بيكو.

رغم عديد المحاولات، إحتفظت بيروت بعروبتها ووجها الحضاري، ولا شك أنه رغم كل الصراعات القائمة على كافة الأراضي العربية، ستبقى بيروت عربية مشرقة صامدة صابرة.   

زكريا الغول - محام بالإستئناف – ماجستير في التاريخ

نذكركم انه بات بإمكانكم متابعة صفحة موقع Business Echoes على إنستغرام من خلال الضغط هنا والتي سيكون محتواها مختلفاً عن المحتوى الذي ننشره على صفحة فايسبوك.​



RSS Facebook Twitter YouTube LinkedIn
© 2020 Business Echoes | تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة