السبت ١٦ تشرين أول ٢٠٢١
المرأة الحديدية .. كيف تغيّرت ألمانيا في عهد ميركل؟
05-10-2021 | 11:35
المرأة الحديدية .. كيف تغيّرت ألمانيا في عهد ميركل؟

من كان يتصور أو يدور بخياله ولو خاطرة واحدة أن تتحول ألمانيا المدُمرة والمُقسمة إلى نصفين المعتمدة كلياً على المنح، من أضعف دول أوروبا وأكثر الدول بؤساً بالعالم إلى الدولة القائدة لمنطقة اليورو وثالث أقوى اقتصاد عالمي؟

لكن في هذه المسيرة الطويلة والعقود التي امتزجت بخليط من العرق والجهد والأمل والإرادة الألمانية كان هناك علامتان بارزتان في مسيرة الأمة الألمانية: "لودويج إيرهارد" و"أنجيلا ميركل".

بحلول الثمانينيات من القرن الماضي استطاعت ألمانيا أن تكون من أكبر الدول المانحة والمُصدرة للمعدات الصناعية والآلات والسيارات والأجهزة المتطورة بعد أن كانت دولة تتلقى المساعدات من الولايات المتحدة وبخاصة مشروع "مارشال"، ومع انهيار سور برلين وبداية حقبة التسعينيات ثم انهيار الاتحاد السوفييتي بدأت مرحلة جديدة: ألمانيا الموحدة.

"أنجيلا ميركل" أثرت في الوعي الجمعي للشعب الألماني بدرجة لم يسبق لها مثيل، فطوال ستة عشر عاما مدة ولاياتها الأربعة تعرضت المستشارة القوية للعديد من الأزمات والمشكلات السياسية داخلياً وخارجياً وكذلك الاقتصادية والأمنية المختلفة وكلها أزمات كانت تُظهر الجانب القوي والقاسي من المستشارة.

لكن ما انطبع في ذهن الشعب الألماني هو أنها ليست فقط القائدة ورأس السلطة السياسية وإنما أيضا بمثابة "الأم"، مفهوم الأمومة ارتبط بـ "ميركل" في السنوات الأخيرة، وأطلق عليها Mutti  والذي أيضا يعني الأم بالألمانية.

ليس ذلك فحسب، فالرأي العام والإعلام يركز على همسات وسكنات المستشارة لدرجة أنك لو قمت بإشارة معينة بيدك وسألت أحدهم ما معنى هذه الإشارة، سيقول لك فورا "أنجيلا ميركل"، في دلالة على شدة متابعة وتدقيق الألمان مع كل ما يخص مستشارتهم وحتى حركات يدها.

ميركل: القوة عبر التأقلم

في أثناء جلوسها على رأس السلطة الألمانية، ميركل كانت واحدة من أقوى السيدات وأكثرهن تأثيراً في العالم، على مستوى ألمانيا عُرفت بقدرتها المذهلة على إدارة الأزمات بحكمة وصلابة وهدوء، حيث قادت سفينة البلاد في أزمات وأعاصير عنيفة طوال الـ 16 عاما، أما دوليأً فكانت لديها قدرة على التعامل والتأقلم والمرونة مع تغير وتبدل الظروف والأشخاص والزعامات حول العالم طوال هذه الفترة بطريقة عجيبة ونجاح لافت.

ميركل: محترفة إدارة الأزمات

أول أزمة: فقط بعد ثلاث سنوات من ولايتها الأولى، صُدمت ميركل بأمواج عاتية لأزمة مالية عالمية بدأت في الولايات المتحدة ثم انتقلت إلى أوروبا وألمانيا في وقت وجيز، وقفت "ميركل" بجوار وزير ماليتها ووزراء المجموعة الاقتصادية في ذلك الوقت وصرحت بشكل واضح: "أقول للمودعين، ودائعكم في أمان، الحكومة الألمانية تقف بجانبكم وتضمن أموالكم"، هذه التصريحات المتكررة ساهمت في تهدئة الرأي العام. وبسبب وقوف البنوك الألمانية على أرض صلبة بعكس باقي بنوك أوروبا، كانت ألمانيا أفضل الاقتصادات الكبرى تعاملاً مع الأزمة المالية في ذلك الوقت نظراً لقوة الجهاز المصرفي الحكومي والمدعوم بشكل واضح من المستشارة ومؤسسات الدولة، مقابل حصة أقل للمؤسسات المصرفية والمالية الخاصة بالاقتصاد الألماني بعكس المملكة المتحدة والولايات المتحدة التي يهيمن على مصارفهما المؤسسات الخاصة.

ثاني أزمة: المشكلة التالية كانت بين 2010 و2012 وهي أزمة اليونان وتلال الديون المستحقة والقروض المتعثرة التي لم تقدر "أثينا الكسولة" على دفعها في تواريخ استحقاقها، وقفت ميركل مرة أخرى بشجاعة لتقاوم احتمالات وشيكة لتفكك منطقة اليورو. الأم الألمانية المعروفة بالطيبة بداخل ألمانيا تحولت إلى أم شريرة ومكروهة في اليونان ودول الجنوب الأوروبي: إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، بسبب كثرة مطالبة ألمانيا وضغوطها على حكومات "أثينا" المتوالية لتبني إصلاحات اقتصادية مؤلمة، لكن في النهاية نجا اليورو من التفكك. تقول ميركل أثناء أزمة اليونان في 2012: "ستفشل أوروبا لو فشل اليورو، تربح أوروبا لو ربح اليورو، واليورو سينجح لو استطعنا خلق اتحاد مستقر يكون اسماً على مسمى لأنه سيكون مدعوماً بأساسات صلبة للنمو والازدهار لشعوبنا". "أورسولا فاينفيلد" مؤلفة كتاب عن السيرة الذاتية لـ"ميركل" تقول: "أسلوب أنجيلا ميركل هو التفاوض والتفاوض والتفاوض، حتى مع الصين حتى مع روسيا، هي الوحيدة التي تستمر في الحديث والنقاش والحوار والتفاوض".

ثالث أزمة: مشكلة اللاجئين في 2015 التي نتج عنها دخول نحو مليون لاجئ إلى الأراضي الألمانية، لذا كانت هذه المشكلة هي التحدي الأكبر لـ"ميركل" التي رفضت إغلاق الحدود أمام اللاجئين والمهاجرين المتدفقين نحو أوروبا.

رابع أزمة: مشكلة الجائحة 2020-2021، "ميركل" استجابت بشكل جيد للأزمة مقارنة بالنظراء في أوروبا وحول العالم، النظام الصحي الألماني صمد إلى حد كبير وكانت الشركات الألمانية في صدارة الشركات المصنعة للقاحات. أزمات أخرى تعرضت لها المستشارة القوية أثناء توليها السلطة قبل وبعد الأزمات الكبرى التي سبق ذكرها منها على سبيل المثال لا الحصر: خروج بريطانيا أو البريكسيت في 2016، أزمة فوكوشيما النووية في 2011، أزمة العلاقات الأوروبية الأمريكية في عهد ترامب 2017، أزمة التغلغل الروسي في أوكرانيا ونزاع أنابيب الغاز الطبيعي والممتد منذ سنوات وحتى الآن، لكن ورغم كل هذه الصدمات والعواصف العاتية التي واجهت "ميركل" طيلة 16 عاماً إلا أنها استطاعت القيادة بكفاءة لدرجة انطبعت في ذهن عامة الناس أنها "سيدة الأزمات".

ميركل والنموذج الاقتصادي

خلال عهد ميركل، عززت المستشارة القوية من هيكل الاقتصاد الألماني وسارت على نهج "إيرهارد" منقذ برلين بعد الحرب الثانية، هذا النموذج ركز على محورين: الرأسمالية ذات الصفات الاشتراكية، والتصنيع يأتي أولاً. قد تكون الصين اليوم هي الدولة الصناعية الأكبر على الإطلاق من حيث حجم الصادرات أو حجم القطاع الصناعي أو مساهمة المصانع في الناتج وغزارة الإنتاج والبضائع المصنعة الصينية حول العالم. لكن ألمانيا هي أساس كل هذه البضائع والسلع الصينية، لأنه لو كانت الصين متفوقة في صناعة الجوالات تظل ألمانيا هي صاحبة الماكينات التي استطاعت بها الصين تصنيع هذه الهواتف والشاشات والحواسب وغيرها من السلع تامة الصنع. ألمانيا تفوقت في صناعة الأجهزة والآلات والمعدات الصناعية الأولية وخطوط الإنتاج والتي هي قلب أي صناعة وجوهرها وركنها الرئيسي، وهو ما جعل قطاع التصنيع يستحوذ على نسبة كبيرة للغاية في ألمانيا مقارنة بأي اقتصاد آخر، ولكن الأهم هو أن الميزان التجاري بين الصين وألمانيا يميل لصالح الأخيرة بشكل واضح في السنوات الأخيرة. الصين تقتدي بالنموذج الألماني في السنوات الأخيرة وفي خططها المستقبلية خاصة في ظل دعم الحزب الشيوعي للمصانع وسحبه للدعم المقدم لشركات الألعاب والتكنولوجيا، في رأي الخبراء وصناع السياسات في "بكين" أن ألمانيا أصبحت ألمانيا ونجحت بدون شركات ألعاب وتطبيقات إلكترونية بل بالصناعة والتصنيع والتقنية المتطورة. وهكذا نجت "ميركل" باقتصاد بلادها من أزمات طاحنة بل وحافظت على منطقة اليورو موحدة وقادتها نحو التماسك والاتحاد والتضامن، رغم العراقيل التي ظهرت في بدايات الجائحة لكن الارتدادة كانت سريعة من قيادة الاتحاد وبذلك تنجح ألمانيا في النجاة باليورو للمرة الثانية بعد أزمة اليونان الأولى، وتُسلم دفة القيادة إلى مستشار جديد يكون في عهدته كلٌّ من ألمانيا والاتحاد الأوروبي وهو يواجه تحديات جسيمة ومخاطر معقدة.

المستشار الجديد

المنافسة تنحصر إلى حد كبير بين "أولاف شولتز" عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي و"أرمين لاشيت" عن الحزب المسيحي الديمقراطي اللذين فاز حزباهما بـ 25.7% و24.1% من الأصوات على الترتيب، وفي انتخابات 2017 استغرقت مفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي نحو 6 أشهر. المستشار الألماني الجديد سيكون أمامه العديد من التحديات على رأسها أزمة التغير المناخي والطقس المتقلب الذي عانته ألمانيا قبل فترة قليلة من سيول كانت فوق المعتاد، إضافة إلى أزمة الجائحة الممتدة من 18 شهراً مضت وأكثر، إضافة إلى أزمة الطاقة المتفاقمة في أوروبا في الأسابيع القليلة الماضية بالتزامن مع مشكلة خطوط الغاز الروسية، ومخاطر الاختراق الصيني الناعم للاستثمار والتجارة في الاتحاد الأوروبي. كل هذه الأزمات وأكثر تنتظر المستشار الجديد، لكن الإدارة الناجحة والإنجازات البارزة والقدرة المذهلة على المرونة والتأقلم والتطور الذي اتسمت بها سياسة المستشارة السابقة "أنجيلا ميركل" ترفع من سقف توقعات الناخب الألماني وتُصعّب الأمور كثيراً على المستشار القادم وهو ما يحتاج إلى التروي.

نذكركم انه بات بإمكانكم متابعة صفحة موقع Business Echoes على إنستغرام من خلال الضغط هنا والتي سيكون محتواها مختلفاً عن المحتوى الذي ننشره على صفحة فايسبوك.



RSS Facebook Twitter YouTube LinkedIn
© 2021 Business Echoes | تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة