الجمعة ١٨ كانون الثاني ٢٠١٩
التعثّر الإقتصادي وضياع الفرص
26-10-2018 | 00:19
التعثّر الإقتصادي وضياع الفرص

رغم التطمينات من أن إستقرارًا في الوضع المالي وثباتاً بسعر الليرة، دليلٌ على متانة القطاع المصرفي في وجه العواصف والأزمات التي تحيق بالوضع الإقتصادي اللبناني، إلا أن عدم الركون إلى إهتزاز الوضع الإقتصادي، لهو أمر مرهون بما ستؤول إليه الحال السياسية، والذي يحتمل الكثير من التأويل والتحليل، وأولها وأهمها التعثّر في التشكيل الحكومي المرتقب.

ومما لا شك فيه من أن المساعي حثيثة وعلى قدمٍ وساق في إتجاه تشكيل الحكومة اللبنانية العتيدة المقبلة، وهو أمر طبيعي في هذا الشأن، للتوصل إلى موضَعة وتوزير من هو مناسب في موضعِهِ المناسب. أما الأمر غير الطبيعي والتي جرت عليه العادة في تشكيل الحكومات في لبنان، هو الإعتماد على معايير كيدية، تتغاير كليًّا عمّا هو متعارف عليه، لتذهب في إتجاه إعتماد التمثيل المذهبي ولا شيء سواه، والتي تأخذ الكثير من الوقت من مشاوراتٍ ومناورات، وكلها في رقعة الشطرنج السياسية التمذهبية.
وما هو غائب عن بال مهندسي التشكيلة الحكومية، ما قد يضيع على الإقتصاد المحلي من فرصٍ إستثمارية تعتمد، وفي العديد منها معايير "البتّ الفوري" ضمن السياق الإنسيابي المعولم لتسارع الحياة الإقتصادية، والتي تعتمد بالمقابل أيضًا على عامل "الوقت" كمعيارٍ رئيس في تحديد الخطوات العملية لأي فرصٍ إستثمارية تعتزم دخول السوق اللبناني أو أي سوقٍ آخر. ذلك أنه من المعلوم في منطق سياسات تسيير المعاملات الإقتصادية الجارية، فيما بين الحكومات وبين الإستثمارات المضيفة، أنها تعتمد على تطبيق آلية التعاقدات والتفاهمات والتي تتطلب موافقات وتواقيع حاضنة وضامنة لها من جهةٍ أو مرجعيةٍ رسمية حكومية. وهذا ما لا ينطبق على واقع الحال التي تمر به البلاد، في ظل غياب واضح ومكشوف للإدارة اللبنانية، مما يضيع على البلد العديد من التوظيفات الإستثمارية. فالقرارات الإقتصادية والإستثمارية لا تقبل المهادنات ولا تنصاع للمماحكات السياسية العبثية.

ولا مشاحة من القول من أن الحركة التي تشهدها الساحة اللبنانية لقوى السياسة وبشكل متزاحم، إنما تتّجه في إتجاه من ينال نصيبه الأوفر من التوزيرات، وما يُبذل من الجهود في هذا الصدد، حيث لا مندوحة من القول أن الجميع غارق في هذا الخضم، على حساب الوقت المتوجب صرفه للإهتمام بالشأن الإقتصادي وتركيز العناية به.

وعليه، ومنذ أربعة أشهر وأزيد، والتي وُسِمت بفترة التعطيل الحكومي وتصريف الأعمال، أضحت الساحة المحلية تشهد إرتفاعًا في نسبة إقفال العديد من المشروعات الإقتصادية في القطاع الخاص، كما وتوقف العديد من الشركات والمؤسسات عن مزاولة أنشطتها الإستثمارية، نتيجة التراجعات الدراماتيكية في رقم أعمالها - مع بقاء التكاليف على حالها، وربما أزيد -، والذي إنعكس بالسالب في إرتفاع أعداد العاطلين عن العمل جراء ذلك. في المقابل، عدم قدرة القطاع العام الحكومي على فتح باب التوظيفات، رغم الحاجة العملية لها وتكدّس أعداد الطلبات المقدّمة أمام مجلس الخدمة المدنية، ما أُوصدت الأبواب الوظيفية في وجه القوى العاملة اللبنانية، في أجواء غابت معها المعالجات الحكومية الإنقاذية.

وما يزيد من تأرجح الحال لشركات القطاع الخاص، هو عدم قدرتها قسرًا على الوفاء بإلتزاماتها من القروض لغايات التوظيف، والتي ظهرت ملامحها في الإجراءات المتشدّدة لدى المصارف في خطوات إتّخذتها للحفاظ على الأموال المستقرَضة منها، ما ينذر في تأزم الوضع الإستثماري للشركات المَدينة.

فالمشروعات الإستثمارية في كافة القطاعات، تواجه معوِّقات في التشغيل في ظل الغياب الحكومي، وهذا ما يقوّض عملية تدعيم ما يسمى بالأمن الإقتصادي.

وهذا الحال ينطبق على كافة القطاعات الإقتصادية. فالسوق العقاري في لبنان ليس أفضل من غيره، فهو يشهد حال من الجمود، ظهرت ملامحها كأزمة في عاملي العرض والطلب نتيجة الشّح المالي الكبير من المغتربين اللبنانيين في الخارج والتي تشهد تسربًا للعمالة اللبنانية، خصوصًا من دول الخليج العربي... . فالطفرة التي شهدها هذا القطاع ما بين عامي ٢٠٠٨ و ٢٠١٠ ربما لن تتكرر في المستقبل بسبب الحروب الإقليمية، والتي زادها هو التعثّر السياسي في التشكيل الوزاري ليعمّق من حال التأزم الإقتصادي.

وفي هذا الجو، تطالعنا تصريحات من هنا وهناك من أن الإقتصاد دخل مرحلة العناية الفائقة، في المقابل أن أحدًا لم يقدّم العلاجات اللازمة ليُنتقل به إلى مرحلة التطمينات.

النمو الإقتصادي في تدهورٍ ملحوظ يطال كافة القطاعات الإقتصادية، لتُشلّ معها عوامل الإنتاج، مما يوقع الأسواق المحلية في حرجٍ. حتى بتنا على شفا التصحّر الإقتصادي.

إن التحديات تتزايد أمام الواقع الإقتصادي والإجتماعي، فمن أزمة القروض السكنية إلى المعوقات البيئية، مرورًا بغياب الحلول الجذرية للقطاع الزراعي وتصريف المحاصيل، يزاد إليها التحول المناخي وأثره على الزراعات وغيرها..، وكل ذلك والتعثّر في التأليف الوزاري سيد الموقف، وإذا حدث وتمّ التأليف فإن التخوف وبحسب مصادر حسنة الإطلاع، من سير إدارة الرئيس الأميركي ترامب في إعتزامها فرض عقوبات إقتصادية على بعض الجهات اللبنانية، إثر دخولها التشكيلة الوزارية المرتقبة، مما يضاف ذلك عقبة أخرى على المسار الإقتصادي المحلي.

فإذا كان الهَمّ عند البعض هو الحفاظ على "الميثاقية السياسية"، فأين هؤلاء من هَمّ المحافظة على "الميثاقية الإقتصادية"؟!


د.وليد أبو خير (بتصرف)
كاتب إقتصادي وخبير في قانون المحاسبة لدى المحاكم التجارية.

26 أكتوبر ٢٠١٨



RSS Facebook Twitter YouTube LinkedIn
© 2019 Business Echoes | تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة