يبدو الأمر في الولايات المتحدة الأميريكية، وكأنها في مرحلة متأخرة للغاية في دورة الأعمال فالبنى التحتية للدولة في حالة يرثى لها، والمطارات هنا أسوأ من غالبية مطارات الأسواق الناشئة التي قصدتها، كما تعاني الطرقات السريعة من كثرة الحفر، وشعور الرضا الذاتي يصل إلى 99 بالمئة.
وتظهر وسائل الإعلام بصورة مريعة مع نقاشات وأفكار بمستوىً في الحضيض. وتتضمن حلقة واحدة من مسلسل ’إلين‘ رؤيةً أكثر عمقاً مما تقدمه جميع قنوات الأعمال والأخبار مجتمعةً. وبدورها، تشهد الانتخابات الرئاسية الأميريكية حالة من الفوضى. فليس بمقدور الحزب الجمهوري أن يقرر ما إذا كان سيبعد أو يدعم دونالد ترامب، الذي يواصل ملئ الملاعب والساحات بحشود تتجاوز الـ 15 ألف شخص، في حين يعاني ’خصومه‘ لجمع 500 شخص.
وبرأيي، لا يمثل ترامب الولايات المتحدة الاميريكية، إلا أنه يمثل البرنامج السياسي القديم للحزب الجمهوري، الذي يزداد تعصباً وعصبيةً، في حين تتجه الولايات المتحدة ككل لتصبح أكثر تنوعاً وحاجةً للانفتاح والتغيير أكثر من أي وقت مضى.
وهيلاري كلينتون في مأزق، بدأت تساورني الشكوك حول إذا ما كانت كلينتون تريد بالفعل أن تصبح الرئيس القادم لدولة الولايات المتحدة، إلا أنها تمتلك احتمالاً كبيراً للخسارة بالانتخابات الرئاسية، حيث أنها كانت في هذا المكان من قبل (خسارة الانتخابات لصالح الرئيس أوباما بفارق طفيف بعد أن كانت المرشح الأقرب للفوز بالانتخابات) يا لها من فوضى.
وفي هذه الأثناء، لا تزال الولايات المتحدة تراوح مكانها بينما يحاول أوباما صنع، والكلمة الأهم هنا هي كلمة ’صنع‘، إرث له. نشكر الله على مسابقات كرة القدم للجامعات لقد شاهدت البارحة المباراة النهائية التي جمعت ألاباما وكليمسون، هذه هي أميريكا الحقيقية! مباراة بمعدل تهديفي عالٍ، ودعوات للعب بشجاعة، وطاقة لا تنضب على طول وقت المباراة. ولا يمكن لشعار فريق ألاباما أن يكون أبسط من ذلك: الفوز، الفوز، الفوز. لا يسعني سوى إبداء إعجابي بالاستراتيجية وسبل التنفيذ المطلوبة لإدارة فريق من 120 لاعباً مع كل ما يتضمنه هذا الفريق من غرور الشبان. وهذا ما ينبغي أن تكون أمريكا عليه من الناحية الاقتصادية، إلا أنها ليست كذلك! ربما ينبغي على المدرب سابان أن يترشح لمنصب الرئاسة على الرغم من أني لست واثقاً من مدى رغبة ’الأسواق‘ بالانضباط المطلوب والعمل الجهيد الذي بني عليه نجاح فريق ألاباما.
وبالعودة إلى السوق، قمنا للتو بإصدار توقعات الربع الأول التي حملت اسم ’ردم الفجوة‘ ويتحدث التقرير عن عدم فهم السوق للتغير الحاصل في أسعار النقود. الناتج المحلي الإجمالي للبنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا يواصل الانحدار وفي هذه الأثناء، يواصل البنك الاحتياطي الفيدرالي (وبالطبع ستانلي فيشر) التحدث عن مزيد من الارتفاعات 4 هو الرقم التقريبي للارتفاعات المتوقعة خلال عام 2016. وهذا يعني أن للأجور وسوق العمل الأولوية على النمو... في الوقت الراهن.
ونظريتي هي أن البنك الاحتياطي الفيدرالي يسعى بشكل مستميت لرفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بمقدار 15 نقطة أساس لتصل إلى 1.25% ليكون بمقدوره التخفيف من حدة أزمة مالية أخرى نابعة من الانحسار المالي الذي بدأ في قطاع النفط، والأسواق الناشئة، وبات دخوله إلى الأسواق المتقدمة أمراً وشيك الحدوث. نعم، في الواقع نحن متأخرون للغاية في دورة الأعمال، متأخرون لدرجة أن الأصول ستواجه صعوبات جمة في تحقيق عوائد إيجابية خلال عام 2016، إلا أني أرى في الوقت الراهن، ومن خلال تواجدي في شارلوت بولاية نورث كارولينا، أن الأمور ستزداد سوءاً قبل أن تبدأ بالتحسن.
أسعار السوق تشهد انخفاضاً حاداً، نعم، وفي نهاية المطاف ستضطر الصين لاتخاذ إجراءات لإعادة تصحيح السوق، إلا أن الرضا الذاتي وانعدام وجود الأفكار والاستعداد للاستثمار هي أمور تبدو واضحة بالنسبة لخبير اقتصادي مسافر مثلي.
الولايات المتحدة ’تعيش‘ بفضل الحسومات! توفر قطاعات التجزئة حسومات بقيمة 25 في المئة كحد أدنى، دون الحاجة لطلبها حتى، من أجل تخفيض الأسهم وأصبحت تخفيضات ما بعد البيع أمراً حقيقياً، وفي حين توصل قطاع التجزئة لفهم هذا الأمر، لا أزال أعتقد أن هناك لحظة اكتشاف رئيسية للأسواق وبالتأكيد في الولايات المتحدة ككل.
الاستراتيجية: لقد كانت تداولاتي قصيرة الأمد في معظم أحيان شهر ديسمبر كانون الأول والربع الأول، وعمدتُ إلى استراتيجية البيع خلال النهار والإغلاق خلال الليل طالما تبقى ’تدخلات‘ البنوك المركزية غير منسّقة. لا أزال أنتظر إشارة واضحة من الدولار الأميريكي، الذي يواصل التداول ضمن نطاق ضيق مقابل اليورو وأقوى مقابل عملات الأسواق الناشئة.
ويبقى الدولار الامريكي عاملاً محفزاً بالنسبة لي، وسأتبع خطى قيمة صرف من 1.05 أو 1.12... وفي حال كانت أعلى أقوم بالمخاطرة، وإن كانت أدنى أبتعد عن المخاطرة. هذه ليست سوقاً تتيح للمرء التصرف بشجاعة، إلا أنها سوق للتجار ولن تسمعونني أتذمر حيال ذلك، رحلات موفقة.

بقلم ستين جاكوبسون كبير الخبراء الاقتصاديين والمدير التنفيذي للاستثمار، ساكسو بنك