شكلت التحديات المصرفية ما بعد الأزمة العالمية، عنوان الملتقى الذي نظمته مجموعة البنك والمستثمر نهاية الاسبوع، في فندق فور سيزون بيروت، برعاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وبحضور عدد من أصحاب المعالي والسعادة ورؤساء ومدراء مصارف ونخبة من الخبراء والمختصين، وذلك في فندق "فورسيزون" بيروت.

وأكد النائب الأول لحاكم مصرف لبنان رائد شرف الدين، التزام مصرف لبنان بانتهاج سياسة نقدية غير تقليدية تقوم على مبادرات وهندسات توازن بين صيانة الاقتصاد وتنمية المجتمع، ومن أهم مظاهر هذه السياسة التي أثبتت نجاعتها وجدواها في مواجهة التحديات حيث أضحت نموذجاً يحتذى به في المصارف المركزية العالمية، المحافظة على الاستقرار النقدي والسيطرة على التضخم ضمن سقف 4% وتأمين استقرار معدلات الفوائد وتحقيق النمو حتى في أحلك الظروف.
ودعا إلى بلورة نظرية اقتصادية تجعل من أزمات الكساد العظيم واحدة من الحالات الممكنة التي تسمح لاقتصادنا الرأسمالي أن يجد نفسه، مؤكداَ أن جوهر تكوين السياسة النقدية وعلة وجودها هو استنباط الأساليب المجدية وابتكار المبادرات الخلاقة في مواجهة التحديات التي تنتجها هذه الظواهر، في سبيل تحقيق التلازم بين مصالح قوى السوق والمصالح العليا للمجتمعات.
واعتبر شرف الدين أن الأزمة المالية العالمية كانت أحد مظاهر العلاقة العرجاء بين الاقتصاد والأخلاق، حيث كان لغياب البعد الأخلاقي الأثر البارز في خلق الأزمة وتغذيتها. وفي هذا الإطار سمح التوجه الليبرالي المتمادي بإزالة الكثير من أساليب الرقابة والضبط التي تشكل عناصر أساسية لمبادىء الشفافية والمحاسبة.

من جانبها، أكدت المديرة التنفيذية لمجموعة البنك والمستثمر نهلا النملي، أنه وسط هذا الظلام الحالك في المنطقة ولبنان، يبرز مصرف لبنان وعلى رأسه الحاكم رياض سلامة منارة ترشدنا نحو سبل الخلاص والنجاة، فالإنجازات في هذه المؤسسة الرائدة تراكمت منذ توليه مهامه في مثل هذه الأيام في عام 1993 حتى أصبحت المجلدات عاجزة عن تدوينها.
وعدّدت النملي أبرز إنجازات حاكم مصرف لبنان، ومن أبرزها المحافظة على استقرار وثبات سعر صرف الليرة اللبنانية وهي السياسة التي عارضها كثيرون في البداية وهم أصبحوا اليوم من أشد المدافعين عن هذا الخيار، فايجابياته أكبر بكثير من كلفته، إلى جانب تنقية وتطوير القطاع المصرفي ووضع التنظيمات والأسس لعمل مصرفي حديث ما أعاده إلى الحقبة الذهبية قبل الحرب وتحفيز هذه المصارف على زيادة دورها في الاقتصاد من خلال مدها بالقروض والتسهيلات لزيادة النمو الاقتصادي. كما كانت للتعاميم التي أصدرها على مر السنوات أثرها في منع المصارف من الوقوع في الأزمات التي عانت منها الكثير من المصارف في العالم "فكان رياض سلامة صاحب رؤية ثاقبة أقر الجميع بها".

من جهته الاعلامي باسل الخطيب الذي قدّم الحفل، قال:" في لبنان كان للاجراءات والتشريعات الرقابية التي اصدرها مصرف لبنان برئاسة سعادة الحاكم الاستاذ رياض سلامه منذ توليه مهامه في العام ثلاثة وتسعين، ابلغ الاثر في تدعيم الجهاز المصرفي اللبناني .
ولقد تجلّى ذلك في النمو الكبير للمؤشرات المصرفية الرئيسية، ابتداء من قيمة حقوق المساهمين مرورا بالسيولة، وانتهاء بالودائع المصرفية، التي تضاعفت عشرات المرات منذ العام 1993 وغيرها من المؤشرات." وختم الخطيب: "هذه هي التحديات التي واجهتها مصارفنا، وتمكنت من التغلب عليها بفضل السياسة الرشيدة والادارة الحكيمة لسعادة حاكم مصرف لبنان رياض سلامه وفريق العمل الذي يعاونه."
وتضمن المؤتمر ثلاث جلسات عمل طُرحت خلالها العديد من الأفكار والحلول لأبرز التحديات التي تواجه لبنان.

وأكد نائب حاكم مصرف لبنان الدكتور محمد البعاصيري في الجلسة الأولى التي جاءت بعنوان (الاستقرار المالي في القطاع المصرفي)، إنه في إطار النظام المصرفي المالي، قام مصرف لبنان بتطوير نظام مصرفي موثوق يتميز بتقيّده الصارم بالمعايير والمواصفات الدولية المصرفية والمحاسبية خصوصاً بما يتعلق منها بكفاية رأس المال والإدارة الرشيدة والشفافية والربحية والسيولة ومكافحة تبييض الأموال.
وأضاف: بلغت موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية مستويات قياسية تعدّت 39 مليار دولار، يضاف إليها مخزونه الوفير من احتياطي الذهب الذي يشكل صمام أمان للاقتصاد، إلى جانب اتخاذ مصرف لبنان كل التدابير اللازمة للمحافظة على التوازن في السيولة التي حققت فائضاً تجاوز 16 مليار دولار، حيث هدفت سياسة مصرف لبنان إلى الاستمرار في تأمين ملاءة الدولة اللبنانية ضمن ممارسة واجبه وهو المحافظة على الاستقرار التسليفي.
وتابع البعاصيري: كذلك انكب مصرف لبنان على الإسهام في مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية من خلال إطلاق المبادرات التحفيزية للمصارف في مجال التسليف إلى القطاع الخاص بهدف الاستثمار في القطاعات الإنتاجية والسكنية والبيئية والتعليمية، وذلك بفوائد مقبولة عن طريق الإعفاء من الاحتياطي الإلزامي. وقد بلغ مجموع قيم الرزم التحفيزية منذ إطلاقها في عام 2013 نحو 5.04 مليار ليرة أي بما يوازي 3.3 مليار دولار، فضلاً عن تأمين موارد الرسملة لقطاع اقتصاد المعرفة الواعد بابتكار هندسة مالية تضع بتصرف هذا القطاع نحو 400 مليون دولار.
واعتبر البعاصيري أن الفساد وغياب المساءلة من أبرز العناصر التي تنسف الاستقرار المالي وخاصة عندما يصبح جزء من الثقافة العامة.

من جانبه، أكد مستشار الرقابة المصرفية والتنظيم في مجلس محافظي البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن السيد سركيس يوغوردجيان، وجوب تفادي فكرة النمو لمجرد النمو لأنه يؤدي إلى طمع البنوك التي تسعى دائماَ لتحقيق عائدات مرتفعة على المدى القصير والمتوسط، مع العلم أن المردود العالي يتوفر في الأنشطة عالية المخاطر، محذرا من مشاركة المؤسسات المالية في أنشطة التداول في الأوراق المالية على حساب مزاولة الأنشطة التقليدية. أكد يوغوردجيان على ضرورة تطوير ممارسات الحوكمة وعدم السماح لأي مؤسسة مالية بنمو يصل إلى حد الفشل لأن هذه المؤسسة سوف تخرج عن السيطرة في وقت ما، خاصة وأن الكثير من الخدمات المالية كان لها تأثيرات اجتماعية سلبية.
وأشار إلى أن أكبر عشرة مصارف في الولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال، إزداد حجمها عقب الأزمة المالية العالمية وبات لديها أصول أكبر وزادت ودائعها بنسبة 40%، وباتت تسيطر على أكثر من 90% من العوائد الوطنية، ومن بينها 4 بنوك في أميركا تسيطر على 219 ترليون دولار.

أما في الجلسة الثانية التي جاءت بعنوان (بازل 3 ومخاطر السيولة)، فدعا مستشار رئيسي مجموعة بنك لبنان والمهجر الدكتور أمين عواد، المصارف إلى التركيز على سيولتها نظراً لكونها جزء لا يتجزأ من الاقتصاد، وعلى اعتبار أن أية مشاكل تواجه هذه المصارف فإن كلفته ستكون كبيرة جداً على الاقتصاد وستنعكس سلباً على التنمية في البلاد.
من جهته، أكد رئيس قسم إدارة المخاطر في بنك البحر المتوسط سمير معوض، حاجة المصارف إلى استثمارات ضخمة لتطوير تكنولوجيا المعلومات للارتقاء بأنظمة عملها، والتفكير بنماذج أعمال جديدة خاصة بها بديلة عن نماذجها الحالية التي لن تقوى على الاستمرار في المستقبل، وكذلك إعادة النظر في أماكن انتشارها وتكاليفها للمحافظة على المعادلات التي تفرضها السلطات الناظمة للقطاع.
واعتبر الشريك المؤسس في شركة النزاهة المالية في أميركا شيب بونسي، أن عدم الالتزام بقواعد النزاهة يؤدي إلى عواقب وخيمة على الاقتصاد الذي يصبح عرضة للفساد، موضحاً أنه لا يمكن تطبيق النزاهة المالية بمعزل عن عنصرين أساسين هما الشفافية المالية التي تقتضي معرفة من أين تأتي الأموال وإلى أين تتجه، والمساءلة المالية التي تهدف للتأكد من أن الجميع يحترم قواعد اللعبة.
من جانبه، أكد الأمين العام لهيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان عبد الحفيظ منصور، التزام لبنان بتطبيق برامج خاصة لمراقبة تحرك التدفقات النقدية بين المصارف والفروع لمعرفة مصادرها ووجهتها، محذراً من المخاطر المرتبطة بالأموال النقدية. وقال إن المصارف قطعت شوطاً كبيراً في مستوى الالتزام بالتحقق من مصادر المبالغ النقدية وهو ما ساعدنا في تحقيق نتائج ممتازة على هذا الصعيد حيث تسترعي المبالغ النقدية انتباهنا بشكل دقيق.