بات جواز السفر الأميركي، الذي طالما اعتبر من أقوى وثائق السفر وأكثرها أمانًا في العالم، يمثل لشريحة متنامية من حامليه عبئًا قانونيًا وماليًا لا يحتمل، إذ يجد ملايين الأميركيين المقيمين خارج بلادهم أنفسهم ملاحقين بمنظومة ضريبية وبيروقراطية معقدة لا تعترف بالحدود، مما يدفع الآلاف سنويًا لاتخاذ القرار الصعب بالتنازل الطوعي عن الجنسية للتحرر من قيود لا ترحم.

قرار مصيري

التنازل عن الجنسية الأميركية ليس قرارًا سهلاً، فهو إجراء قانوني رسمي يستلزم مقابلتين مع مسؤولين قنصليين، وعمليات تدقيق مالي، وأداء قسم رسمي، ومراجعة من وزارة الخارجية، وقد يمتد إنجازه لأشهر، ويشترط التحقق الكتابي والشفهي من أن المتقدم مدرك تمامًا لعواقب قراره، ومن بينها اضطراره لاحقًا إلى استصدار تأشيرة لدخول الأراضي الأميركية.

عوامل دافعة

خلافاً للتصور الشائع، فإن الغالبية العظمى ممن يتخلون عن جنسيتهم ليسوا من أصحاب الثروات الطائلة، بل هم في معظمهم مغتربون من الطبقة الوسطى أمضوا سنوات طويلة خارج البلاد، أو من حصلوا على الجنسية بحكم الولادة لكنهم عاشوا حياتهم كاملة في الخارج، وجدوا أن تكلفة الامتثال للقوانين الأميركية تفوق أي امتياز يمنحه الجواز الأزرق، وتشمل دوافعهم:

أعباء الامتثال الضريبي

تعد الولايات المتحدة من الدول المتقدمة القليلة التي تفرض ضرائب على دخل مواطنيها العالمي، بغض النظر عن مكان إقامتهم، مما يُلزم المغتربين بتقديم إقرارات ضريبية معقدة حتى حين لا يكون عليهم أي التزام مالي فعلي تجاه واشنطن.

تشديد الضغط

عزز تلك الأعباء قانون الامتثال الضريبي للحسابات الأجنبية "فاتكا" الذي سن عام 2010، وألزم البنوك الأجنبية بالإبلاغ عن حسابات عملائها الأميركيين للسلطات الضريبية.

معوقات مصرفية

من أجل تجنب الأعباء الإدارية والقانونية المرهقة التي تفرضها واشنطن، قررت العديد من المؤسسات المالية الأجنبية تقييد خدماتها للمواطنين الأميركيين أو رفضها كليًا، أو فرض رسوم إضافية عليهم.

قيود الجنسية المزدوجة

تحظر دول عدة كاليابان وكوريا الجنوبية حمل جنسية مزدوجة، مما يضطر المغتربين الأميركيين إلى التخلي عن جواز سفرهم للحصول على جنسية أخرى أو تولي مناصب حكومية في بلدان إقامتهم.

أعباء الجنسية

ينفق الكثير من الأميركيين مئات أو آلاف الدولارات سنوياً على استشارات خبراء الضرائب، حتى وإن لم تكن عليهم أي التزامات ضريبية أميركية، بينما أفاد البعض بأنه رغم إلزامهم بالامتثال لقوانين الضرائب الأميركية، إلا أنهم لم يتلقوا أو يستفيدوا إلا بالقليل من الخدمات التي جمعت أموالهم عن طريق الضرائب مقابلها.

نموذج بارز

في مثال بين على أعباء الجنسية، تنازل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق "بوريس جونسون"، المولود في نيويورك لأبوين بريطانيين، عن جنسيته الأميركية عام 2016.

ثمن التخلي عن الجنسية

كان التنازل عن الجنسية مجانيًا حتى عام 2010 حين فرضت وزارة الخارجية رسومًا قدرها 450 دولاراً، ثم قررت في 2015 رفعها إلى 2350 دولاراً لتغطية النفقات الإدارية اللازمة لمعالجة الطلبات وتوثيقها، نظرًا للزيادة الكبيرة في أعداد المتقدمين بطلبات التنازل.

سنوات من النضال

أثارت تلك الخطوة معارضة واستياءً شديداً بين الأميركيين المغتربين الذين اعتبروا الرسوم الجديدة باهظة، وبعد سنوات من المعارك القانونية مع عدة منظمات تمثل الراغبين في التخلي عن جنسيتهم، قررت الوزارة في وقت سابق هذا العام خفض تلك الرسوم 80% تقريباً لتعود إلى 450 دولاراً فقط.

تكاليف إضافية

لكن يجب التوضيح أن الرسوم سواء الحالية أو السابقة لا تعكس التكلفة الحقيقية للتنازل عن الجنسية حال الاستعانة بمحام كفء متخصص في شؤون الهجرة، إذ يقدر "ألكسندر مارينو" رئيس شركة المحاماة "موديز" أن التكلفة قد تتراوح في تلك الحالة بشرط عدم وجود أية تعقيدات بين 7 آلاف و10 آلاف دولار.

اتجاه متصاعد

قفزت حالات التنازل عن الجنسية ما بين 200 و400 حالة سنوياً قبل عام 2009، إلى أكثر من خمسة آلاف حالة في السنوات الأخيرة، مع تسجيل ذروة تجاوزت ستة آلاف عام 2020، وكشف استطلاع حديث أن أكثر من نصف المغتربين الأميركيين فكّروا جدياً في اتخاذ هذه الخطوة، فيما يُرجّح المراقبون أن يؤدي خفض الرسوم الأخير إلى دفع أعداد جديدة نحو اتخاذ القرار.

مزيج من الضغوط الراهنة

تتزامن موجة التنازل عن الجنسية مع مناخ سياسي داخلي متوتر وتراجع في نسب تأييد الرئيس "ترامب"، إضافة إلى مخاوف جدية من تشريع مرتقب يدخل حيز التنفيذ في ديسمبر المقبل من شأنه تسجيل الشباب المؤهلين تلقائيًا في قوائم الخدمة العسكرية الإلزامية بدلًا من إتاحة خيار التسجيل الطوعي، وهو ما يدفع فئات جديدة إلى إعادة حساباتها.

طوابير انتظار

باتت قوائم الانتظار في القنصليات الأميركية حول العالم مؤشراً واضحاً على الاتجاه المتزايد، إذ أفادت "الغارديان" بأن قائمة الانتظار في قنصلية لندن تتجاوز أربعة عشر شهراً، فيما تمتد لأشهر مماثلة في سيدني والمدن الكندية الكبرى وعواصم أوروبية عدة، ما يعكس حجم الضغط المتراكم لدى ملايين المغتربين خارج البلاد.

يظهر التوجه المتزايد للتنازل عن الجنسية الأميركية أن قوة جواز السفر لا تقاس فقط بعدد الدول التي يسمح بدخولها دون تأشيرة، بل بالحرية المالية والقانونية التي يمنحها لحامله.

وفيما يسعى ملايين حول العالم للحصول على الجواز الأميركي بكل السبل، يجد حامله نفسه في بعض الأحيان في موقف مناقض تماماً، والمفارقة الحقيقية أن واشنطن التي تعد وجهة لأحلام المهاجرين، تجد اليوم بعض مواطنيها ينتظرون طوابير طويلة، لا للحصول على جنسيتها، بل للتحرر منها.

المصدر: أرقام