سوليكا علاء الدين
تزداد أزمات لبنان تعقيداً وتشتدّ الصورة اسوداداً لا سيّما مع بلوغ العاصفة اللبنانية-الخليجية ذروتها وتوجّهها نحو مسار انحداري خطير من شأنه أن يضيّق الخناق أكثر على الوضع الاقتصادي المنهار وأن يقلّل من حظوظ وآمال البلد في النهوض والتعافي، إذ أنه حتى الساعة لا توجد بوادر للانفراج ولا خطوات ايجابية أو محاولات جدية لمعالجة هذه الأزمة بل تمادياً في انعدام المسؤولية واستمرار العجز الداخلي والانقسامات الحادة التي أدخلت لبنان في آتون الخراب والدمار والانهيار.
هي ليست المرّة الأولى التي تهتزّ فيها العلاقات الدبلوماسية بين لبنان ودول الخليج العربي، إلاّ أنّ هذا التوتّر يأخذ اليوم منعطفاً جديداً نحو الأسوأ بحيث يشهد تصعيداً غير مسبوق بالتوازي مع إجراءات خليجية صارمة ستُفاقم من حدة الوضع الاقتصادي المتردّي وستؤثر بشكل سلبي على عملية إعادة إحياء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. فتداعيات الأزمة لا تتوقف فقط عند قرار حظر جميع الواردات اللبنانية الذي يشكل ضربة قاسية للاقتصاد، إذ تشير الأرقام إلى أن حجم صادرات لبنان إلى مجلس التعاون الخليجي بلغ عام 2012 نحو 891 مليون دولار ليصل في العام 2020 إلى حوالي 931 مليون دولار، أو إيقاف عمليات الشحن والتبادل التجاري وخسارة ما يقارب الـ 400 ألف لبناني يعملون في دول الخليج وفقدان دخول العملة الصعبة والخوف من منع التحويلات المالية التي تقدّر بنحو 4 مليارات دولار أي حوالي16 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبنان، بل تتعداها لتشمل قطيعة عربيّة وعقوبات مالية واقتصادية تتمثّل في عدم قبول دول مجلس التعاون بتقديم المساعدات المالية والتمويل وإعطاء القروض حتى ولو تم الوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد، كذلك الامتناع عن القيام بعمليات الاستثمار الضخمة التي تشكل ضمانة لتوفير وضخّ السيولة الأجنبية، ليدفع لبنان بذلك تكلفة باهظة الثمن.
وعلى الرغم من ضبابية الأجواء وعدم القدرة على التكهّن بما ستحمله الأيام المقبلة، يواظب الوفد اللبناني على عقد اجتماعاته التقنية ومشاوراته الفنية مع وفد صندوق النقد الدولي تمهيداً للبدء بمرحلة المفاوضات الرسميّة، حيث يطمح المعنيّون إلى الوصول لمذكرة تفاهم معه قبل نهاية العام تسمح بموجبها بالحصول على بعض المساعدات الماليّة والتي تُقدّر بنحو ملياري دولار من أجل وضع لبنان على سكّة التعافي مقابل التعهد بتنفيذ الشروط الاصلاحية المطلوبة أبرزها الاتفاق على تقدير حجم الخسائر وتوزيعها بشكل عادل، توحيد أسعار صرف الدولار المختلفة ،إعادة هيكلة الدين العام إصلاح قطاع الكهرباء، التفاهم مع القطاع المصرفي، تشريع قانون الكابيتال كونترول وتأمين شبكات أمن اجتماعية، كشرط رئيسي للحصول على الدعم المالي من قبل المجتمع العربي والدولي وبعض المؤسسات الخارجية المانحة.
لكنّ المعطيات ما زالت على حالها، إذ لا تقدّم عمليّ ملموس يُذكر من ناحية وضع الحكومة لخطة متكاملة من أجل تنفيذ هذه الشروط سوى كلام عن وجود تنسيق وتعاون وتفاهم بين الأطراف كافة ما يثير القلق والخوف من مدى قدرة الحكومة على النجاح في إحياء عمليّة التفاوض، لا سيّما أن مصير المفاوضات مرتبط ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بالأحداث والمستجدّات السياسية على السّاحة اللبنانية أهمّها مستقبل الحكومة الذي أصبح رهن الأزمة الدبلوماسية العاصفة. فالحكومة التي لم تفلح في الانعقاد منذ أكثر من شهر نتيجة خلافات مكوّناتها، تقف اليوم مكتوفة الأيدي وتؤكد عجزها وعدم قدرتها على إيجاد تسوية سريعة للأزمة، وتنتظر الوساطات والجهود الخارجية علّها تنجح في إيجاد مفتاح للحلّ ينقذها من فخ الاستقالة ويخرج لبنان من مأزقه.
في ظل هذه الازمات الصعبة والانقسامات الكبيرة التي يعيشها لبنان، تبقى المفاوضات مع صندوق النقد الدولي هدفاً شاقاً طويل المنال إذ يتخوّف من جهة أن تصبح حكومة الإنقاذ حكومة تصريف أعمال وبالتالي الرجوع إلى نقطة الصفر وتعثّر المفاوضات الجادّة، وأن تنتقل الخلافات بين الأطراف السياسية المتنازعة إلى داخل الوفد اللبناني المفاوض ما يهدد وحدة الموقف ويُضعف موقع لبنان التفاوضي من جهة أخرى. لذلك على الحكومة أن تتحمّل مسؤوليتها وتستدرك خطورة الأزمة، فلبنان المتوعّك لا يحتمل أي مقاطعة عربية بل يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تآزر وتعاون ودعم معنوي ومادي من مختلف الجهات خاصة الدول العربية كي لا يتم إجهاض المساعي الهادفة لتعافيه والقضاء على فرصة نهوضه الأخيرة.