سوليكا علاء الدين
من المؤكّد أن الأزمات الاقتصادية خاصة في حالات الانهيار الشامل تنعكس بشكل سلبي على حياة المواطنين اليومية وتؤدي إلى تراجع حالتهم النفسية نتيجة تراكماتها وتداعياتها المالية والاجتماعية. ومع تفاقم حدّة الأزمة، لم تعد تقتصر معاناة اللبنانيين على الجوانب الاقتصادية منها، فموجات الأزمات المتلاحقة التي ضربت لبنان بدءاً من الاضطرابات السياسية والأمنية وانهيار الوضع الاقتصادي والاجتماعي، مروراً بجائحة فيروس كورونا وصولاً إلى انفجار المرفأ المدمّر، عمّقت من شدّة الضغوط والأزمات النفسية لديهم.
لم تصل أحوال اللبنانيين إلى هذا المستوى من الانحدار، حتى في خضم أسوأ الحروب والنكسات، فالليرة اللبنانية تدهورت بشكل دراماتيكي لتخسر نحو 90 في المئة من قيمتها، وارتفعت معدلات التضخم، وتدنّى الحد الأدنى للأجور ليصل إلى أقل من 30 دولار في الشهر الواحد، في حين فقد الكثير منهم مصدر رزقه الوحيد حتى بات 82 في المئة من اللبنانيين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد بسبب عدم قدرتهم على تأمين قوتهم اليومي واحتياجاتهم الرئيسية. هذا فضلاً عن حرمانهم المتعمّد من أبسط حقوقهم الاساسية في الحصول على الغذاء والمياه والتعليم والطبابة والكهرباء والمحروقات، والأسوأ من ذلك هو سلبهم لأموالهم ومدخراتهم المودعة في المصارف من دون أي سابق إنذار ومن دون أي تعويض مما أفقدهم ثقتهم بالمستقبل وشعورهم بالاستقرار والأمن النفسي.
ومع انعدام الوسائل والامكانيات المناسبة لإشباع حاجاتهم الأساسية الذي أدّى بدوره إلى حرمانهم من إشباع حاجاتهم النفسية والاجتماعية، فإنه من البديهي أن تتعرّض صحتهم النفسية للاضطراب الذي تتمثل مظاهره بالعديد من الأعراض مثل: القلق، التوتر، العزلة، العدوانية، الغضب، التذمر، العصبيّة، كثرة الشكوى، التشاؤم، العنف، عدم القدرة على التحمل، نقص التركيز، التفكير السلبي، أذى الذات، اضطرابات الأكل والنوم وغيرها الكثير.
وبالحديث عن الصحة النفسية، لا بدّ من الإشارة إلى أنها تقوم على مبدأ التكيف أو التوافق أو التأقلم، وهو يعني بناء علاقة منسجمة ومتوازنة بين الفرد ومجتمعه حيث يوجد نوعان من التأقلم: الإيجابي والسلبي. يتمثل التأقلم الإيجابي في قدرة الفرد على تحقيق أهدافه ورغباته ضمن قيم ومعايير بيئته، في حين أن التأقلم السلبي لا يعتبر تكيفاً في الحقيقة بل هو عبارة عن آليات سلبية من أجل البقاء وهذا ما يشهده المجتمع اللبناني وينعكس في سلوك أفراده من خلال مظاهر الاستسلام، العجز، الانهزامية، الخضوع، الهشاشة النفسية، التبلّد، اللاّمبالاة، فقدان السيطرة، نقص الضبط، الجمود، غياب المبادرة، الإنكار، التقهقر والهروب إلى الأمام. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا التأقلم السلبي للبنانيين الذي كان في البدء نتيجة للانهيار الاقتصادي أصبح اليوم سبباً في استمراره وتفاقمه بعد أن تم استغلاله بشكل ممنهج من قبل المسؤولين والمستفيدين من هذا الانهيار.
يمر اللبنانيون بأزمة صعبة وعصيبة بعد أن حاصرتهم من كل الجهات وضيّقت الخناق عليهم وأفقدتهم جنى أعمارهم وجعلتهم من أكثر الشعوب فقراً وتوتراً وحزناً. وبالتالي، فإنّ تجاوزها يتطلب منهم استجماع قواهم لمواجهة كافة التحديات والصعاب الاقتصادية والاجتماعية وعدم الوقوف مكتوفي الأيدي والخضوع لواقع مفروض عليهم والاستسلام لنمط حياة لا يشبههم؛ فطريق النجاة تستوجب عليهم ضرورة الاستفاقة من حالة الغيبوبة واسترجاع وعيهم من أجل استعادة حقوقهم وأموالهم وحياتهم ومستقبلهم ووطنهم. فالمرحلة خطيرة ودقيقة وتحتاج إلى تحمل للمسؤولية وصحوة للمواطنة كي لا يكونوا في خندق واحد مع كلّ من ساهم وخطّط وعمل على إذلالهم وتدميرهم والقضاء عليهم.