كتبت هدى علاء الدين
يختنق لبنان اليوم واللبنانيون بقرار وقف الدعم عن المواد الأساسية والسلع الغذائية - قرار لا يختلف اثنان أنه بات مسألة وقت لا أكثر - فالعدّ التنازلي قد بدأ والاستعدادت على قدمٍ وساقٍ من أجل رفعه نهاية الشهر الجاري حفاظاً على ما تبقى من احتياطي العملة الأجنبية في المصرف المركزي.
هذا القرار الذي سيترافق مع قرار آخر خانق يتجلى في إصدار بطاقات تمويلية لمساعدة الفئات الأكثر فقراً، يكتنفه الكثير من الضبابية والغموض وتحوم حوله أسئلة بلا إجابات لا سيما أن العديد من العائلات ستُصبح نهاية أيار الجاري من الفئات الأكثر فقراً، لتتوسع بالتالي رقعة العائلات التي تحتاج إلى هذه البطاقات.
وبحسب المعلومات، فإن البطاقات ستُمنح لحوالي 750 ألف عائلة أي ما يعادل 75 في المئة من أصحاب الدخل المحدود والأكثر فقراً، وستصل قيمتها بمعدّل وسطي إلى 1.3 مليون ليرة لبنانية لكل عائلة مؤلفة من 4 أفراد، ليصل بذلك مجموعها إلى ما يقارب المليار دولار سنوياً.
وعليه يكون المصرف المركزي قد وفّر 3.8 مليار دولار يدفعها اليوم لدعم السلع الحالية، إذ ستنخفض كلفة الدعم على المصرف من حوالي 5.040 مليار دولار إلى 1.1 مليار دولار بعد ترشيده.
إذاً، ما يعادل حوالي 3 ملايين و150 ألف مواطن لبناني سيحصلون على البطاقات التمويلية التي يشكّك العديد من الخبراء حول قدرتها على تحقيق الاكتفاء المعيشي لأصحابها. وهنا تًطرح بعض الأسئلة:
-
كيف سيموّل مصرف لبنان هذه البطاقات؟ هل سيدفع فاتورتها من جيب الاحتياطي الإلزامي أم أن الحديث عن تمويل قطري لها بالدولار سيُنقذ الحكومة من هكذا مأزق؟
-
من سيستفيد فعلياً منها وهل ستوزع بشكل عادل لمستحقيها أم بالواسطة والمحسوبية والانتفاع السياسي؟ وماذا لو تم رفع الدعم قبل الانتهاء من إجراءات إصدارها أو تمويلها؟
-
هل قيمة البطاقات تكفي العائلات لشراء السلع الغذائية والمواد الأساسية (من ضمنها البنزين والمازوت والغاز والأدوية) علماً أن الأسعار بعد إلغاء الدعم ستكون أكثر جنوناً وستشهد المزيد من الارتفاع، ومن سيلجم سعر صرف الدولار حينها؟
-
هل سيستطيع مصرف لبنان من خلال هذا القرار الحد من التضخم وارتفاع حجم الكتلة النقدية إذا ما تم دفع قيمة البطاقات بالدولار وبالتالي تخفيف الضغط على العملة الوطنية وعدم طبع المزيد منها لا سيما وأن قيمة المليار دولار تعادل 14،4 تريليون ليرة لبنانية؟. وهل توافر الدولار في الأسواق من خلال البطاقات التمويلية من شأنه فعلاً خفض حدة ارتفاع سعر صرفه؟
- هل ستنجح البطاقات في الحدّ من أزمة استيراد السلع الأساسية بعد رفع الدعم، وبالتالي خفض الطلب على الدولار؟ أم أنها ستنعكس سلباً وتساهم في زيادة الطلب على الدولار في السوق الموازية؟
أكثر من سنة ونصف، فشل فيها لبنان الرسمي في إيجاد حلول جذرية لمسألة الدعم التي قضت بشكل مريب على احتياطي الدولار، تماماً كما فشل في إيجاد مصادر بديلة لضخ الدولار والحدّ من التهريب الغير الشرعي عبر الحدود. اليوم لم يعد هناك أي مفر من اتخاذ هكذا خطوة، لكن ما هو الأخطر من ذلك أنها تأتي تزامناً مع غياب أي برنامج إقتصادي وإصلاحي يطالب به صندوق النقد الدولي، ليتم بذلك القضاء نهائياً على أمل اللبنانيين في الحصول على جرعة أوكسيجين مادية تنتشلهم من الجحيم المالي والاجتماعي الذي يعيشون فيه، وتحويل لبنان إلى وطن الفاقة بعد العز.