الثلاثاء ١٧ تشرين أول ٢٠١٧
موازنة لبنان العام 2017 - قراءة نقدية
09-02-2017 | 23:24
موازنة لبنان العام 2017 -  قراءة نقدية

شرع مجلس الوزراء بالأمس بدراسة مشروع موازنة العام 2017 بعد توقف دام لأكثر من 10 سنوات أهدر القيِّمون على هذا البلد خلالها مليارات الدولارات وفقاً للقاعدة الإثني عشرية التي تسمح باستباحة المال العام، واستناداً الى ميثاق دستور الطائف الذي يمنح الوزير الصلاحيات المطلقة في إدارة شؤون وزارته مستخدماً عبارة :"مع الإصرار والتأكيد" التي أعطاها له هذا الميثاق، واضعاً نفسه فوق المساءلة والمحاسبة.
هذا الواقع أدى الى تعاظم عجز الموازنة سنوياً دون أن يرفّ جفن المسؤولين على كافة مشاربهم وانتماءاتهم، متكّلين على استعداد مصرف لبنان والجهاز المصرفي لتمويل هذا العجز، إلى ان يفرجها الله أو تقع المصيبة الكبرى على رأس الجميع، إذا ما تراجعت قدرة الجهاز المصرفي على تمويل عجز الموازنة المتمادي . الأمر الذي يستدعي تحرك مصرف لبنان لسد هذه الفجوة، مع ما يستتبع ذلك من مخاطر تضخمية لا قِبَل للعملة اللبنانية ولا للمودع اللبناني على تحمل تداعياتها.
وإذا تفحّصنا تركيبة هذه الموازنة، يتبين لنا ان مجموع الايرادات يقدَّر بحوالي 16.900 مليار ليرة لبنانية فيما تقدر النفقات بحوالي 24.700 مليار ليرة، أي أن العجز يناهز 7800 مليار ليرة لبنانية، أو ما يوازي 5.2 مليار دولار أميركي، سوف تضاف الى الدين العام ليصبح مع نهاية سنة 2017 حوالي 81 مليار دولار أميركي أي ما يقارب 150% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأسوأ ما في مكونات النفقات، أن النفقات الإستهلاكية تشكل أكثر من 91% منها وتشكل الرواتب والأجور وخدمة الدين العام وتمويل عجز كهرباء لبنان حوالي 75% من مجموع النفقات، فيما تشكّل النفقات الاستثمارية حوالي 9 % من مجموع النفقات أي اقل من 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي.
اما على جانب الايرادات فتشكل الايرادات الضريبية حوالي 80% منها اي ما مجموعه 13.600 مليار ليرة تقريباً، وتشكل الضرائب غير المباشرة الغالبية العظمى من هذه الايرادات. كما يظهر الخلل جلياً ما بين الايرادات الضريبية والايرادات غير الضريبية ، وهنا مكمن الخطر حيث تبدو الدولة كالذي يأخذ باليد اليمنى ما أعطاه للمواطن باليد اليسرى. ماذا تكون النتيجة وما هو المغزى الإجتماعي والاقتصادي لهكذا موازنة !!!
ولعلّ أبرز هذه المخاطر هي:

  • تراجع مستوى معيشة اللبناني ، وتراجُع قدرته على الانفاق مع ارتفاع نسبة التضخم.
  • تزايد الهوة ما بين الطبقة المحدودة الدخل والطبقة الميسورة وذوبان الطبقة الوسطى ، وهي عماد التنمية.
  • تعاظم البطالة، والفساد، ولجوء الشباب الى المنظمات المتطرفة والارهابية.
  • تراجع معدلات النمو.

هل فكّرت الطبقة السياسية الحاكمة منذ اتفاق الطائف، بإعتماد سياسات تصحيح اقتصادي ومالي، تؤدي الى تحقيق التوازن ما بين النفقات والايرادات في مرحلة أولى، ثم الانتقال الى تحقيق فوائض تسهم في إطفاء الدين العام لاحقاً؟؟!!
الواقع ان ذلك غير وارد لدى هذه الطبقة ذلك لأنها شكّلت شبكة عنكبوتية من تقاطع المصالح فيما بينها ضمن اطار منظومة مافياوية باتت أقوى من أي محاولة اصلاحية.
واذا اردنا طرح بعض الافكار الإصلاحية فلنبدأ بما يلي :

  •  تصحيح الخلل ما بين نسبة الايرادات الضريبية المباشرة وغير المباشرة حيث ان هذه النسبة في لبنان تبلغ 75% للضرائب غير المباشرة فيما لا تتجاوز النصف في الدول المشابهة للبنان وتبلغ العكس في الدول المتقدمة.
  •  الغاء تعويضات النواب السابقين واعتماد دفع مبلغ مقطوع للنائب، لا يجوز ان يتجاوز رواتب دورة واحدة في أقصى الاحوال أسوة بنواب حاكم مصرف لبنان واعضاء لجنة الرقابة على المصارف...
  •  إ قرار قانون تسوية أوضاع الاملاك البحرية والنهرية غير الشرعية وتقسيط الغرامات المفروضة على شاغلي هذه الأملاك.
  •  فرض غرامات تسوية على الذين وضعوا ايديهم على أملاك الغير والأملاك العامة، وشيّدوا عليها أبنية غير مرخصة.
  •  فرض رسوم على البيوعات العقارية وأرباح التجارة في أسواق رأس المال (عملات وقيم واسهم وسندات...)
  •  إقفال مزاريب الهدر في مختلف وزارات الدولة وخاصة في وزارة الشؤون الاجتماعية والإتصالات والطاقة...
  •  تصحيح الخلل في جهاز التعليم الرسمي وخاصة إعادة توزيع المعلمين في المدارس.
  •  الغاء أو تخفيف مواكب الحراسة والمرافقة وتوجيه القوى العسكرية والأمنية نحو الخدمة المدنية. وغيرها من الافكار الإصلاحية.
  • تفعيل المؤسسات والهيئات الرقابية في الدولة.

أخيراً لا بد من التوجه الى فخامة الرئيس العماد ميشال عون برسالة نطالبه فيها بالإيفاء بوعده بتحقيق الإصلاح والتغيير وهو الشعار الذي بنى عليه قاعدته الشعبية على مدى سنوات نضاله حتى تسلمه سدة الرئاسة:
فخامة الجنرال الرئيس: هل يمكنك الايفاء بوعدك وسط هذه الغابة من المافيات؟!! وكيف، ومتى؟
رسالة أخرى لا بد من توجيهها الى الطبقة السياسية الحاكمة: إلى متى تلعبون على الوقت ولا تحكِّمون ضمائركم وتسعون الى التعاون لوضع خطة إصلاح اقتصادي ومالي تهدف إلى وقف هذا التدهور؟
رسالة أخرى إلى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة: كان الله في عونك وحماك الله من خطر كرة النار التي  تحملها بين يديك بالنيابة عن الطبقة السياسية الحاكمة، ولكن إلى أين وإلى متى وبأي كلفة !!!
رسالة أخيرة إلى الخبراء الإقتصاديين: لنطلق معاً صرخة عالية ومدوِّية في وجه السياسيين ولندقّ ناقوس الخطر علّهم يرعوون !!!
ولكن في هذا البلد من يحاسب من؟

بقلم بهيج الخطيب - خبير مصرفي



RSS Facebook Twitter YouTube LinkedIn
© 2017 Business Echoes | تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة