الثلاثاء ٢٣ تشرين أول ٢٠١٨
المستقبل ليس له وحده
01-10-2018 | 12:04
المستقبل ليس له وحده

يتكرر اسم صندوق النقد الدولي كثيراً في عناوين الأخبار، ولكن على غرار مقاومي الحرائق ومديري الأزمات، فإن هذا التواجد في دائرة الاهتمام ليس أمراً مطمئناً.

ويشير تحليل نشرته صحيفة "فاينشنال تايمز" إلى أن المستثمرين أصبحوا قلقين بشكل متزايد من أن انهيار العملة في تركيا أو الأرجنتين قد يكون بداية لاضطرابات أوسع في الأسواق الناشئة.

وحذرت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد في حوار مؤخراً، من أن تصعيد الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة والتي تحدث الآن، قد تكون سبباً في صدمة جديدة بالأسواق الناشئة.

والسؤال الواضح على المدى القصير بالنسبة للمستثمرين الخائفين كما حددته الكاتبة الاقتصادية جيليان تيت في مقال لها هو ما إذا كان الصندوق يمتلك الذخيرة اللازمة لمعالجة هروب رؤوس الأموال على نطاق أوسع.

أما السؤال على المدى الطويل فهو إلى أي مدى يستطيع صندوق النقد الدولي تنفيذ دوره التقليدي الذي يتمثل في منع اضطرابات ميزان المدفوعات وهروب تدفقات رأس المال في السوق المالي العالمي الذي لا يزال يخضع لتغييرات عميقة؟

ونشرت لجنة رباعية من كبار الاقتصادين العالميين تحليلاً لحالة الصندوق الحالية وآفاق المستقبل، تحت عنوان "إصلاح صندوق النقد الدولي.. الأجندة غير المكتملة"، والذي تضمن تاريخاً قوياً للتغيرات على مدار العقدين الماضيين في الأسواق المالية وفي إجراءات الحوكمة بالنسبة لصندوق النقد الدولي نفسه.

كما أنه كان هناك بالطبع حقيقة هامة وهي التطرق إلى الأشياء التي لم تتغير خلال تلك الفترة، وذكروا في هذا الصدد أن الأزمة لم تنتهِ وأن أزمة القرن الـ21 لا تزال متمثلة في حساب رأس المال في ميزان المدفوعات وتدفقات رأس المال الدولية.

ومن ضمن القضايا التي ركز التقرير عليها فيما يتعلق ببند الأشياء التي تغيرت كان هناك شيئان، الأول صعود الصين والثاني نمو الترتيبات الإقليمية لإدارة الأزمات في ميزان المدفوعات.

ويأتي ذلك مع تأمين ذاتي وطني في شكل تراكم احتياطي في العديد من الدول، بالإضافة إلى عقد اتفاقات لتسهيلات مبادلة ثنائية ومتعددة الأطراف بين البنوك المركزية فضلاً عن صناديق الإنقاذ السيادية الي اُنشئت في منطقة اليورو.

وبالطبع فإن الأمرين مرتبطان ببعضهما البعض، فالصين استخدمت اتفاقات المقايضة كوسيلة لتعزيز دور عملتها، وبالتالي كأداة في استراتيجيتها لجعل اليوان عملة عالمية.

وقد تكون تلك التغييرات قاتلة بالنسبة للدور التقليدي لصندوق النقد الدولي باعتباره مدير إدارة الأزمات البارز، كما أن هذا الدور يعاني بالفعل من ضغط هائل مع حقيقة تزايد البدائل أمام الدول.

كما تعرضت سمعة صندوق النقد الدولي كمدير مختص بالأزمات إلى ضربة مستحقة، سواء لمشاركته في برنامج إنقاذ اليونان أو بسبب توقعاته السيئة بشأن انتعاش الاقتصاد العالمي.

ومع وجود علاجات بديلة لأزمات ميزان المدفوعات، واقتصاد صيني ذو ثقل يجب استيعابه في حوكمة صندوق النقد الدولي، فإنه من الصعب أن يتفادى صندوق النقد التهميش النسبي الذي سيتعرض له.

وبالتأكيد سيكون لصندوق النقد دور دائماً لكن من المرجح أن يكون واحداً من ضمن عدد من مديري الأزمات، وهذا بحد ذاته يعني تغييراً نوعياً في مكانته وتأثيره.

وهنا يظهر سؤال ملح وهو ما الذي قد يمنع هذا التطور؟

والإجابة قد تكون في أن صندوق النقد الدولي قد يشترك مع آليات دعم ميزان المدفوعات الإقليمية بشكل أفضل إلى جانب إقرار إصلاحات داخلية بالصندوق.

والمقصود من الإصلاحات هو منح إدارة الأموال مزيد من الاستقلالية عن الممثلين السياسيين للدول الأعضاء الأمر الذي قد يكون خطوة تجاه ترسيخ بالآراء المتعلقة بمنح الصين دوراً أكبر.

وتلك المقترحات قد تكون جيدة لكن من المحتمل ألا تكون كافية للاحتفاظ بسيادة صندوق النقد الدولي، ربما لا يمكن ضمان ذلك إلا عن طريق إصلاحات أكثر جذرية مثل منح صندوق النقد الدولي سلطة إصدار عملة حقيقية ذات سيادة، لكن هذا ليس ضمن الاحتمالات الحالية.

 وعلى صندوق النقد الدولي أن يبذل قصارى جهده لكن مع ذلك فإن المستقبل ليس له، أو على الأقل ليس له وحده.



RSS Facebook Twitter YouTube LinkedIn
© 2018 Business Echoes | تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة