الأحد ١٩ تشرين الثاني ٢٠١٧
أزهري يعرض لسبل نهوض اقتصاد لبنان من جديد
03-08-2017 | 22:32
أزهري يعرض لسبل نهوض اقتصاد لبنان من جديد

كشف رئيس مجلس إدارة ومدير عام بنك لبنان والمهجر سعد أزهري عن سلسلة مؤشرات وارقام وتحديات اقتصادية تواجه لبنان واقتصاده ، وذلك في خلال كلمته في جلسة القطاع المصرفي، من مؤتمر المجلس الإغترابي اللبناني للأعمال الذي افتتح اعماله في بيروت برعاية الرئيس سعد الحريري.

وجاءت كلمته كالآتي:
سأتطرّق في مداخلتي  إلى ثلاثة مواضيع مترابطة:
الموضوع الأول : يتناول مصرف لبنان في الأداء والتحدّيات
الموضوع الثاني : القطاع المصرفي، أيضاً في الأداء والتحدّيات
أمّا الموضوع الثالث حول مستلزمات السياسات الإقتصادية في المرحلة القادمة
في الموضوع الأول حقيقة لا جدل فيها:
الجيش اللبناني والنظام المصرفي هما من الركائز الأساسية الأولى في لبنان.
فكيف تمكّن مصرف لبنان من تعزيز الإستقرار النقدي ودعم النمو الإقتصادي؟
على مدى اكثر من  20عاماً نجحت سياسات مصرف لبنان في إنجازات عدّة:
-  نجحت في زيادة رسملة البنوك وفي إرساء رقابة سليمة على عملها وفي نموّها وتوسّعها نحو الخارج.
- نجحت في تثبيت سعر الصرف على مستوى يُقارب السعر التوازني للإقتصاد، ممّا ساهم في حماية ثروة المواطنين والتخفيف من الإختلالات الخارجية والحدّ من معدلات التضخّم.  هذا بالإضافة إلى المحافظة على هياكل معقولة ومشجّعة لأسعار الفائدة.
-  وأيضاً  نجحت ، وفي غياب دور فعّال ومُستدام للحكومة في الإقتصاد،  بتشجيع القطاعات الإنتاجية والإجتماعية من خلال قروض ميسّرة وتشجيع قطاع إقتصاد المعرفة عن طريق ضمانه لإستثمارات البنوك.
فما هو وقع هذه الانجازات؟
في الأرقام :
•        إرتفعت في العشرين سنة الماضية ميزانية مصرف لبنان من حوالي 10 مليار دولار الى 109 مليار دولار.
•        وارتفعت أيضاً موجوداته الخارجية من 3 مليار دولار إلى 42.5 مليار دولار، وهو مستوىً كافٍ بحسب العديد من المؤشرات لدعم سعر الصرف والتوازنات الخارجية.
إنني على يقين أن جميع الحاضرين اليوم يرون الصورة المُشرقة لهذه الإنجازات، ولكن لكلّ نجاح هناك في المقابل تحدّيات وعقبات قد تُواجه المركزي  )إنني أتكلّم الآن كإقتصادي لديه أكثر من منظور).
التحدّي الأول يرتكز على قدرة مصرف لبنان في الظروف الحالية على إستقطاب التدفقات الرأسمالية لدعم موجوداته الخارجية وسعر الصرف من دون رفع سعر الفائدة والآثار السلبية لذلك على خدمة الدين العام والإقتصاد.
التحدّي الثاني يتمثّل باستطاعة مصرف لبنان التعامل بشكلٍ سليم ومُرضٍ لجميع الفرقاء فيما يتعلّق بالتطبيق والإمتثال لأيّة عقوبات جديدة قد تُفرض من قبل مجلس النواب الأميركي.
أمّا التحدّي الثالث فيعكس إمكانيّة مصرف لبنان على تحمُّل كلّ الأعباء التي تنجم عن حمله لجزءٍ من الدين العام وقيامه بالعديد من المبادرات والهندسات المالية.
هذا في الموضوع الأول، أمّا في الموضوع الثاني فهو يتعلّق بالقطاع المصرفي الذي يمثّل الجزء الآخر من النظام المصرفي إلى جانب البنك المركزي.
لقد تطوّر القطاع من حيث نشاطاته وإمتداده ليصبح قطاعاً مصرفياً شاملاً. وترون ذلك من الأمثلة  على إنجازاته:
- تنتشر وحداته في 32 بلداً إقليمياً  وأوروبياً .
- نمت ميزانية القطاع خلال العشرين سنة الأخيرة من25 مليار دولار إلى 207 مليار دولار، وأصبح من الملاذات الآمنة للودائع حيث ارتفعت ودائع غير المقيمين من حوالي 2 مليار دولار إلى 35 مليار دولار.
- يُعتبر القطاع المموّل الأول لاحتياجات القطاعين الخاص والعام إذ تبلغ قروضه أكثر من 100%  من الناتج المحلي الإجمالي ويحمل حوالي 50% من الدين العام.
-يلتزم القطاع بكلّ المعايير والقوانين الرقابيّة والتنظيميّة المحليّة والدوليّة.
-لا يكتفي القطاع بتمويل عجز الميزانية العامة فحسب، بل يساهم أيضاً في إيراداتها إذ يُمثّل حوالي الـ 40% من إجمالي ضرائب الشركات و28% من إجمالي ضرائب الأفراد.
-فيما لا يتمتّع القطاع بربحية فائضة إذ يبلغ المردود على متوسط الموجودات  1% فقط  مقابل  أكثر  من   2%  في الدول الناشئة  (هذا بالطبع لا يجعل المصارف كما يعتقد البعض"حيتان المال" خصوصاً وأن 15 مليار دولار من محفظة قروضه هي قروض ميسّرة).
ولكن أيضاً لا تخلو الطريق أمامه  من تحدّيات وعقبات( مثل  معظم  طرقات لبنان).  وأذكر تحدّياتٍ  ثلاث:
التحدّي الأول يرتبط بالمنافسة الحادّة وحالة الإشباع في السوق الداخلي.
التحدّي الثاني يتعلّق بالتعامل الكفوء مع الإلتزام بالعقوبات والقوانين الدولية المتزايدة.
أمّا التحدي الثالث والأهم يتمثّل بإنكشافه اللافت على الأدوات السيادية حيث تبلغ توظيفاته لدى مصرف لبنان والدولة حوالي 59%من موجوداته.
وأخيراً الموضوع الثالث: مستلزمات السياسات الإقتصادية في المرحلة القادمة.
إنّه لواضحٌ جداً أن مصرف لبنان يتحمّل اليوم أعباءً بعيدة عن مسؤولياته تجاه السياسة النقدية والإجراءات الرقابيّة.
فهل مطلوبٌ من المركزي  وحده أن يلعب دوراً رئيسياً في السياسات المالية من خلال تمويله لجزءٍ من عجوزات الميزانية من ثمّ تعقيم ذلك للحفاظ على مستوى مقبول للسيولة؟
وهل مسؤولية المركزي إدارة السياسة الصناعية والتجارية من خلال دعمه للنشاطات الإنتاجية والتكنولوجية في الإقتصاد؟
ما ينجم عن ذلك ليس فقط تحمّل المركزي للمزيد من الأعباء والمسؤوليات بل أيضاً أخطاراً معنوية (moral hazards) تتجسّد في عدم "إكتراث" مؤسسات الدولة الأخرى بتحمّل مسؤولياتها أو عدم إعطائها الأهمية المطلوبة على أمل أن المركزي لديه القدرة على عمل ذلك وإصلاح الأمور التمويلية والنقدية في البلد إلى ما لا نهاية !
وفي هذا الإطار، نتمنّى من الرئاسة والحكومة العتيدة في أية خطة تُعدّها للإصلاح الإقتصادي والإداري أن تحدّد وتعزّز المسؤوليات والسياسات التي تقع على عاتق مختلف مؤسسات الدولة.
على سبيل المثال:
وزارة المالية: إعداد سياسة مالية تهدف إلى ترشيد الإنفاق وخفض الدين العام  وتحسين الجِباية الضريبية، والأهمّ من ذلك إصلاح نظام معاشات التقاعد الذي لا يمكن الإستمرار به كما هو عليه (إذ يمثّل في الحقيقة "قنبلة موقوتة").
وزارتا الصناعة والإقتصاد: القيام بمبادرات لتحسين المناخ الإستثماري وبيئة مزاولة الأعمال.
ووزارة الطاقة: المبادرة بإسراع البرنامج لإصلاح قطاع الكهرباء والبدء بتطوير قطاع النفط والغاز.
إن مثل هذه الإصلاحات ترفع من إنتاجية السياسات الإقتصادية ومن القدرات التنافسية للقطاعات، كما تفسح المجال أمام المركزي والمصارف بأن يقوما بعملهم في تفعيل السياسة النقدية وتثبيت الإستقرار النقدي بأكثر كفاءة وفعالية.
وفي الخاتمة، لدينا مثلّث متكامل مترابط ومتلائم: مصرف لبنان، القطاع المصرفي والسياسات الإقتصادية. إذا إقترن هذا المثلّث بإستقرار وإجماع سياسي مُستدام فإن الإقتصاد اللبناني قد ينهض من جديد ليصبح مركزاً مزدهراً في المنطقة يفتخر به كلّ أبنائه وبناته من مقيمين ومغتربين.



RSS Facebook Twitter YouTube LinkedIn
© 2017 Business Echoes | تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة