وصف رئيس جمعية المصارف الدكتور فرنسوا باسيل الوضع الذي يمر به لبنان  حاليا بالحرج والدقيق مشيرا الى انه قد يكون الأسوأ والأخطر في تاريخه الحديث، إذ تتعطل المؤسسات الدستورية مع فراغ في الرئاسة الأولى وشلل في عمل الحكومة والمجلس النيابي. جاء ذلك في المؤتمر الذي عقده في جمعية المصارف، وشارك فيه نائب الرئيس سعد الازهري والامين العام للجمعية مكرم صادر في حضور الوزير السابق مروان خير الدين ومسؤولين في الجمعية.
وقال باسيل نحمد الله أن الجيش والقوى الأمنية تؤدي مهماتها بما يحفظ الأمن على الحدود وفي الداخل، الا ان الاقتصاد يسجل حياء، فمعدل نمو بحدود الـ 1,5 في المئة، يقابله استقرار في بنية الأسعار على صعيد السلع والخدمات، والأجور، ومعدلات الصرف والفوائد.
وعرض باسيل موقف الجمعية من القضايا الوطنية والاقتصادية عازياً الاستقرار، من جهة، إلى السياسة النقدية التي يتبعها المصرف المركزي منذ عقدين ونيف، ومن جهة ثانية، الى ركود النشاط الاقتصادي بوجه عام خلال السنة الحالية والسنوات القليلة الماضية. وتترافق الأوضاع الأمنية والاقتصادية الموصوفة أعلاه مع اختلالات متكررة في المدفوعات الخارجية التي سجلت موازينها عجزا فاق في أربع سنوات الـ 6 مليارات دولار لفترة 2011 - 2014.
علما أن الحسابات الأساسية التي تعود بمعظمها الى حركة السلع والخدمات مع الخارج لم تشهد تغيرا جوهريا، وكذلك ظلت تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج متماسكة الى حد كبير وبحدود 7,5 مليار دولار أميركي استنادا الى معطيات البنك الدولي، فيما تراجعت التدفقات المالية وبخاصة الإستثمارات الأجنبية المباشرة التي انخفضت من 3,7 الى 2,8 مليار دولار بين عامي 2012 و2013، ومن المرجح أن يكون هذا المنحى قد تواصل عام 2014 رغم عدم توافر معطيات نهائية في هذا الصدد.
أضاف: "تنعكس المعطيات المتمثلة بالنمو الاقتصادي وعجز المدفوعات الخارجية تباطؤا في نمو الودائع لدى القطاع المصرفي بحيث تراجع معدل نمو إجمالي الودائع من 9 في المئة عام 2013 مقارنة مع العام 2012 إلى معدل 6 في المئة عام 2014 مقارنة مع عام 2013. لكن ازدياد الودائع بما مقداره 8,5 مليارات دولار بقي كافيا لتغطية الاحتياجات التمويلية للإقتصاد الوطني بقطاعيه العام والخاص، والتي زادت في مجملها بما يقارب 3,5 مليارات دولار خلال العام 2014.
ولدى إضافة ما يزيد عن 1,5 مليار دولار عام 2014 إلى الرساميل والأموال الخاصة، تكون الأخيرة قد قاربت 16 مليار دولار، علما أنها ذات أهمية كبرى لجهة تعزيز ثقة المودع المحلي والأجنبي بالقطاع المصرفي اللبناني. إن هذه الإضافة إلى موارد المصارف، أي إلى ودائعها، تتصف بكونها موارد طويلة الأجل يمكن استعمالها في عمليات الإقراض المتوسط والطويل، كما أنها تقوي المراكز المالية للمصارف بحيث وصل معدل الملاءة في القطاع الى 10في المئة حسب معايير بازل 3.
وفي ما يتعلق بإقراض القطاع الخاص، قال باسيل ان إدارات المصارف تتعامل مع الزبائن المدينين، أفرادا وشركات، آخذة في الاعتبار الظروف الصعبة وغير الاعتيادية التي يعيشها بلدنان وهي تتساهل مع من يتعثر من المقترضين بسبب الأزمة، حتى يكون قد عدل وضعه أو تأقلم. طبعا، هذه سياسة فقط مع حسني النية دون سواهم.
وتابع ان إجمالي قروض المصارف للقطاع الخاص، المقيم وغير المقيم، من دون احتساب قروض مصارف الأعمال والاستثمار، قاربت 51 مليار دولار في نهاية العام 2014، أي بزيادة قدرها 3,5 مليارات دولار ونسبتها 7,42 في المئة. ومع تراجع الاستثمارات الخاصة المحلية الوافدة، يصبح التسليف المصرفي السبب الأول والأهم للنمو الاقتصادي في لبنان.
وعلى سبيل الذكر، زادت القروض الشخصية الممنوحة من المصارف في العام المنصرم بنسبة 11,6 في المئة، وهي تشمل بخاصة القروض التعليمية (+15,2 في المئة) والقروض السكنية (+4‚14 في المئة). وقد أمن القطاع المصرفي من خلال آليات الإقراض السكني مسكنا لحوالى 107 آلاف أسرة لبنانية في مختلف المناطق، ما رفع حجم محفظة القروض السكنية الى نحو 10 مليارات دولار في نهاية العام 2014. وهي بمعظمها لصالح ذوي الدخل المحدود وبفوائد متدنية ومدعومة، علما أنه تمت اضافة الى هذه المحفظة خلال العام المنصرم وحده 19800 قرض سكني جديد، كدليل إضافي على أن الإستقرار الإجتماعي هو من أولويات المصارف اللبنانية.
وتظهر الإحصاءات أن إجمالي التسليفات المدعومة الفوائد، الموافق عليها في فترة 1997- نهاية حزيران 2014 وصل الى 8773 مليار ليرة (ما يعادل 5,8 مليارات دولار). وكانت التسليفات ازدادت بنسبة 10,0 في المئة في العام 2013 و15,8 في المئة في العام 2012. وقد شكلت حصة الصناعة من إجمالي هذه التسليفات 59 في المئة مقابل 30 في المئة للسياحة و11 في المئة للزراعة.
وفي السياق ذاته، وصل مجموع القروض الممنوحة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بضمانة شركة "كفالات" الى ما يوازي 110 ملايين دولار في العام 2014 استفادت منها 838 مؤسسة.

 

ولفت الى ان زيادة التسليفات المصرفية لم ترافق مع تدهور نوعية محفظة الإقراض للقطاع الخاص، إذ بقيت نسبة الديون المشكوك بتحصيلها إلى إجمالي المحفظة في مستوى متدن هو 3,6 في المئة، علما أن نسبة المؤونات إلى الديون المشكوك بتحصيلها تخطت 75 في المئة.
وتوقف باسيل عند نتائج العام 2014 "الأولية"، لافتا الى أنها أولية لأنها ما زالت غير مدققة وغير موافق عليها من قبل السلطات الرقابية. وقال ان النتائج الأولية تظهر معدل ربحية على متوسط الأموال الخاصة أدنى من 12 في المئة وبحدود 0,97 في المئة على متوسط الموجودات. وتعتبر هذه المعدلات متراجعة قياسا على كامل السنوات الأربع الماضية حيث تدرجت على التوالي من 18,8 في المئة و1,29 في المئة عام 2010 إلى 15,4 في المئة و1,12 في المئة عام 2011 وإلى 13,2 في المئة و1,04 في المئة عام 2012 إلى 12,2 في المئة و1,01 في المئة لعام 2013.
ويعود تراجع الربحية في السنوات الأربع الماضية، من جهة أولى، إلى استمرار السيولة المصرفية عند مستوى عال جدا (بحدود 60 في المئة) فرضته التطورات المحيطة بعملها داخليا وإقليميا، ومن جهة ثانية، إلى انخفاض الفوائد على محافظ سندات الخزينة الحكومية وبقاء الفوائد الدائنة على الودائع مرتفعة، وكل ذلك من ضرورات الحفاظ على الاستقرار النقدي. كما يعود تراجع الربحية أخيرا إلى تقلص الهوامش بين الفوائد الدائنة والمدينة على امتداد العام 2014. مع الأسف، ينظر بعض الإعلام والرأي العام إلى الأرقام المطلقة لأرباح المصارف دون تنسيبها إلى حجم رساميلها التي قاربت حاليا 16 مليار دولار، ودون مقارنتها مع المردود المجني في القطاعات والأنشطة الأخرى.
وأشار الى أن جمعية المصارف تعاونت مع معالي وزير المالية بالتنسيق مع مصرف لبنان لإنجاح الإصدار الأخير بالعملات الأجنبية بمقدار 2200 مليون دولار وبمتوسط سعر فائدة لا يتجاوز 6,45 في المئة، وهو أدنى من المعدلات السائدة للآجال ذاتها بالليرة اللبنانية. وقال ان هذا المتوسط يوازي كلفة إجمالي محفظة اليوروبوندز البالغ 6,41 في المئة، مع فارق أن الأخير هو لمتوسط فترات استحقاق قدره خمس سنوات وثلاثة أشهر (مقارنة مع 10 سنوات و15 سنة للإصدار الجديد).
كما أن كلفة الإصدار الأخير هي أدنى بكثير من المعدلات التي تدفعها الدول ذات التصنيف المماثل أي B-، هذا إذا قبلت الأسواق المالية العالمية إقراضها. ويعود الفضل في ذلك إلى إدارات المصارف في لبنان التي تلبي حاجة الدولة إلى التمويل بالعملات الأجنبية، فتجعلها قادرة على الوفاء بالتزاماتها وقادرة على تغطية نفقاتها بالعملات الأجنبية في ظل استمرار العجز في المدفوعات الخارجية للعام الرابع على التوالي.
وتابع باسيل: "تثبت هذه المعطيات أن القطاع المصرفي اللبناني استطاع أن يبرهن مرة أخرى عن مناعة كبيرة في وجه التحديات الداخلية والخارجية، وعن قدرة واضحة وأكيدة على التكيف مع أصعب الظروف السياسية والأمنية والإقتصادية وأكثرها تعقيدا. فالنتائج التي حققها القطاع، وإن لم تكن على مستوى تطلعات القيمين عليه، تبقى مقبولة وجيدة في ظل الأحداث التي شهدتها البلاد، من اضطرابات أمنية متنقلة ومن فراغ في سدة الرئاسة الأولى وتعثر كبير في عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية. يضاف الى ذلك تلبد الأجواء الإقليمية المنعكسة سلبا على مختلف مجالات الإستثمار في لبنان، بما فيه الإستثمار المالي.
فالقطاع المصرفي، المؤلف من 70 مصرفا في نهاية العام 2014 يساهم بحوالى 6 في المئة في تكوين الناتج المحلي الإجمالي، وهو يستخدم حوالى 24 ألف موظف، بينهم 46 في المئة من الإناث و73 في المئة من حملة الشهادات الجامعية. كما أنه يقدم منحا تعليمية لزهاء 17 ألف طالب من أولاد الموظفين العاملين فيه.
وإذ أكد أن القطاع المصرفي هو الركيزة الأساسية للاستقرار الإقتصادي والمالي والإجتماعي في البلاد، وهو أيضا دعامة دائمة للاستقرار الأمني الذي يضمنه ويظلله الجيش اللبناني وسائر المؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية، ذكر بأن المصارف اتخذت مبادرات عدة "لتعزيز دور الدولة" وكان آخرها "تقديم هبة مالية بقيمة 6 ملايين دولار أميركي في حزيران 2014 لبرنامج إعادة تأهيل السجون، الأمر الذي ساعد وزارة الداخلية على تنفيذ الخطة الأمنية الأخيرة في سجن رومية.
وختم بالإشارة الى أن المعطيات التي قدمها، تدل في جوهرها على أن الإقتصاد اللبناني والقطاع المصرفي يعملان بأقل من طاقتهما الحقيقية، وأنهما يختزنان إمكانات نمو كامنة تفوق بكثير معدلات النمو الفعلية المسجلة في كليهما، وذلك لاعتبارات وأسباب ذات صلة بالأوضاع السياسية والأمنية العامة، محليا وإقليميا.
ودعا الى ملء الفراغ في سدة رئاسة الجمهورية في أقرب وقت، حرصا على انتظام وتفعيل عمل المؤسسات الدستورية كافة، وعلى تنشيط حركة الاقتصاد وتعزيز نمو مختلف القطاعات الإنتاجية والخدماتية. 
nna