بعد سنوات من السجال حول طبيعة الأزمة المالية والنقدية التي عصفت بلبنان منذ خريف 2019، جاء التقييم الأحدث الصادر عن صندوق النقد الدولي ليعيد توصيف الواقع ويضع الأمور في نصابها، بتصنيفه ما حصل كأزمة نظامية.

فقد أدرج صندوق النقد الدولي الأزمة المالية والنقدية في لبنان ضمن لائحة "الأزمات النظامية" التي شهدتها 13 دولة حول العالم خلال السنوات العشر الماضية، في خطوة أساسية تساعد على فهم طبيعة هذا الانهيار ومن يتحمّل مسؤوليته، إذ أن توصيف الأزمة يحدد عملياً طبيعة المعالجات المطلوبة، وآليات توزيع المسؤوليات والخسائر بين الأطراف المعنية.

فاستخدام المرجعية المالية الدولية الأبرز لمصطلح "الأزمة النظامية" لتوصيف ما حصل، يعني أن ما جرى لم يكن مجرد تعثر مصرفي تقليدي، أو أزمة ناجمة عن سوء إدارة داخل بعض المصارف، بل أزمة دولة ونموذج اقتصادي ومالي متكامل، نتيجة تراكمات طويلة من السياسات المالية والنقدية والخيارات السيادية الخاطئة.

فالدولة اللبنانية، وبحسب تقارير مالية متعددة، لعبت دوراً أساسياً في استنزاف الموارد المالية، عبر سياسات إنفاق ودعم وتمويل غير مستدامة وهو ما تعكسه بوضوح الأرقام المرتبطة بخسائر القطاع المالي، حيث بلغت خسائر مصرف لبنان حتى عام 2020 نحو 51 مليار دولار، وهي خسائر تتحمّل مسؤوليتها الدولة استناداً إلى المادة 113 من قانون النقد والتسليف.

كما بلغ دين الدولة المستحق لمصرف لبنان نحو 16.5 مليار دولار، في حين جرى إنفاق ما يقارب 23 مليار دولار على دعم الليرة والتهريب والتجار من خلال التوظيفات الإلزامية العائدة للمصارف.

وبعيداً عن محاولات حصر مسؤولية الانهيار بجهة واحدة، فإن توصيف ما شهده لبنان بـ"الأزمة النظامية" يكرّس حق المودعين في المطالبة بتحديد المسؤوليات استناداً إلى هذا التوصيف، ومحاسبة كل الجهات التي ساهمت في تبديد الودائع عبر سياسات إنفاق وتمويل ومشاريع أحاطت بها الكثير من علامات الاستفهام.

كما يؤكد هذا التوصيف أن النقاشات الحالية المرتبطة بخطط التعافي وإعادة هيكلة القطاع المالي، ولا سيما مشروع قانون استعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع، لن يكون لها أي أفق حقيقي للنجاح، ما لم ترتكز على محاسبة فعلية، ومصارحة واضحة، وتوزيع عادل للخسائر بين مختلف الأطراف المعنية، حيث أن الاعتراف بالطابع النظامي للأزمة، يفرض إعادة النظر في بعض التوجهات المطروحة، بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للمسؤوليات والأعباء بين مختلف الأطراف المعنية.

خاص - بزنس إيكوز