سوليكا علاء الدين

لبنان الذي اشُتهر بموقع مميّز واعتُبر موطن الثراء والليبرالية في الشرق الأوسط قبل اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975، أصبح اليوم بفضل طبقته السياسية الحاكمة وهيمنتها على ثرواته وخيراته على مدى عقود من النهب والهدر والفساد بلداً غارقاً في أسوأ أزمة من اقتراف أيديها،  بحيث تم تصنيفها على أنّها واحدة من أشد عشر أزمات، وربما أشد ثلاث أزمات في العالم منذ خمسينيات القرن التاسع عشر. هذا ما اختصره تقرير البنك الدولي الذي عكس الحالة المزرية التي وصلت إليها البلاد بعد عامين من إنهيار القرن حاملاً عنوان: "المرصد الاقتصادي للبنان: الإنكار الكبير" مُوجّهاً فيه أصابع الإتّهام إلى قيادات طبقة النخبة في تدبير الكساد الاقتصادي للبلاد والمُسيطرة منذ وقت طويل على مقاليد الدولة والمستأثرة بمنافعها الاقتصادية.

في أولى وأحدث تقاريره للعام 2022 ، حذّر البنك من الأزمة الاقتصادية واصفاً إيّاها بـ"الكساد المتعمّد" بعد أن بات الانهيار يشكل تهديداً خطيراً للاستقرار وللسّلم الاجتماعي في البلاد على المدى الطويل. وأظهر أنّ انزلاق لبنان إلى الأزمة والانهيار المالي والاقتصادي بدأ في العام 2019 نتيجة لسوء إدارة الإنفاق الضخم الذي أدّى إلى ارتفاع الديون، وإلى تفاقم المناكفات والخلافات السياسية بين الأقطاب المتنافسة، بالإضافة إلى إحجام المقرضين الأجانب عن إنقاذ البلاد في ظلّ عدم إجراء الاصلاحات.

وبحسب أرقام تقرير المرصد التابع للبنك الدولي، أشارت التقديرات إلى أنّ إجمالي الناتج المحلي الحقيقي انخفض بنسبة 10.5 في المئة في العام 2021 في أعقاب انكماش وصلت نسبته إل الـ 21.4 في المئة في العام 2020. وفي الواقع، إنخفض إجمالي الناتج المحلي للبنان من نحو 52 مليار دولار أميركي في العام 2019 إلى مستوى متوقع قدره 21.8 مليار دولار أميركي في العام 2021، مسجِّلا انكماشاً نسبته 58.1 في المئة، وهو الإنكماش الأشدّ في قائمة تضم 193 بلداً.

وتوقّع التقرير إنخفاض الإيرادات الحكومية إلى النصف تقريباً في العام 2021 لتصل إلى 6.6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وهي ثالث أقل نسبة على مستوى العالم بعد الصومال واليمن. هذا وكان إنكماش النفقات أكثر وضوحاً، لاسيما في الإنفاق الأساسي الذي شهد تخفيضات جذرية، الأمر الذي عزَّز دوامة انكماش الاقتصادي. وفي الوقت عينه، أشارت التقديرات أيضاً إلى أنّ إجمالي الدين بلغ 183 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في العام 2021، ليسجّل بذلك رابع أعلى نسبة مديونية في العالم بعد كل من اليابان والسودان واليونان.

التقرير الدولي أشار إلى أنّ إفلاس نموذج التنمية الاقتصادية للبنان الذي ازدهر بفضل تدفقات وافدة وكبيرة لرؤوس الأموال ودعم دولي مقابل وعود بإجراء الاصلاحات المطلوبة يحدث في بيئة جيوسياسية تتّسم بدرجة عالية من عدم الاستقرار، ما يجعل معالجة هذه الأزمة الحادة أمراً ملحّاً وضروريّاً. كما لفت إلى أنّ الفوضى النقدية والمالية وما تشهده من تعدديّة في أسعار الصرف واستمرار التدهور الحاد لقيمة الليرة اللبنانية في العام 2021 ساهمت في تغذية ظروف الأزمة، إذ هوى سعر الصرف للسحب النقدي مقابل الدولار الأمريكي بنسبة تتراوح بين 211 و 219 في المئة خلال الأحد عشر شهراّ الأولى من العام نفسه. هذا وقد أدَّى انتقال آثار تغيرات أسعار الصرف على الأسعار إلى قفزة كبيرة للتضخم الذي بلغ معدّل تقديره في المتوسط 145 في المئة في العام 2021 مسجّلاً ثالث أعلى معدل على مستوى العالم بعد فنزويلا والسودان.

ولعلّ أبرز ما عكسه التقرير، هو أنّ حجم ونطاق الكساد المتعمّد الذي يشهده لبنان حالياً يؤدّيان إلى تفكّك الركائز الرئيسة لنموذج الاقتصاد السياسي السائد في البلاد منذ انتهاء الحرب الأهلية. وهذا ما تجلّى بشكل واضح في انهيار الخدمات العامة الأساسية، واستمرار الخلافات السياسية الداخلية المنهكة، ونزيف رأس المال البشري وهجرة الكفاءات على نطاق واسع. وفي موازاة ذلك، تتحمّل الفئات الفقيرة والمتوسطة العبء الأكبر للأزمة، وهي الفئات التي لم يكن النموذج القائم يلبي حاجاتها أصلاً.

وفي هذا السياق، نقلت وكالة رويترز للأنباء عن المدير الإقليمي لدائرة المشرق بالبنك الدولي "ساروج كومار جها" قوله إن الإنكار المتعمّد في ظل الكساد المتعمّد يُخلّفف أضراراً طويلة الأمد على الاقتصاد والمجتمع. فبعد مرور أكثر من عامين على الأزمة المالية، لم يُحدّد لبنان بعد مساراً يتّسم بالمصداقية للوصول إلى التعافي والاستقرار الاقتصادي والمالي، ناهيك عن الشروع في ذلك. وأضاف أنّه يجب على الحكومة اللبنانية أن تمضي قدماً بشكل عاجل نحو اعتماد خطة لتحقيق الاستقرار والتعافي المالي الكلّي ذات مصداقية وشاملة ومنصفة، وتسريع وتيرة تنفيذها إذا كان لها أن تتفادى دماراً كاملاً لشبكاتها الاجتماعية والاقتصادية، وأن توقف على الفور نزيف رأس المال البشري الذي لا يمكن تعويضه. كما أكّد مرّة أخرى على استعداد البنك الدولي مواصلة دعم لبنان في تلبية حاجات شعبه الملحّة والحدّ من التحديات التي تؤثّر على سبل عيشه.

مجدّداً، بات من المؤكّد أنّ هذه الطبقة السياسية الحاكمة هي المتّهمة الأولى والمسؤولة المباشرة عن الإنهيار الشامل الذي وصلت إليه البلاد حيث أثبتت بقوّة عن جدارتها وكفاءتها ونجاحها في تدبير وافتعال الأزمات. هي طبقة فاقدة للثقة والمصداقيّة فكيف يُعوّل عليها اليوم في إيجاد الحلول والامساك بزمام الأمور وهي نفسها من خطّط ورسم ونفّذ هذا السيناريو لمصالح وأهداف مشبوهة؟ هي طبقة مُجحفة تمادت على مدى عامين متتاليين في سرقة وإفقار وتهجير وتدمير البلاد فمن يجرؤ على ردعها ومحاسبتها؟ هي طبقة الأزمة بامتياز التي ما زالت تراهن على البقاء وتُمعن في الإنكار وتسترسل في تضييع فرص النجاة الواحدة تلو الأخرى.... فلا بدّ من استبدالها من أجل خلاص لبنان.

نذكركم انه بات بإمكانكم متابعة صفحة موقع Business Echoes على إنستغرام من خلال الضغط هنا والتي سيكون محتواها مختلفاً عن المحتوى الذي ننشره على صفحة فايسبوك.